رجوع

رأي

السودان من محنة يوسف إلى حكمته.. إبراهيم شقلاوي يطرح سؤال بناء الدولة بعد الحرب

محمد الحسينيبقلم محمد الحسينيموثق — نُشر 5 نوفمبر 2026

السودان من محنة يوسف إلى حكمته ورؤية إبراهيم شقلاوي لبناء الدولة بعد الحرب.

برودكاست نيوز – وجه الحقيقة  

في مقال يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز تقييم سنوات الحرب، يطرح الكاتب والمحلل د. إبراهيم شقلاوي تساؤلاً محورياً حول مستقبل السودان، وما إذا كانت البلاد قادرة على تحويل محنتها الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها، مستلهماً قصة نبي الله يوسف عليه السلام في إدارة سنوات القحط وتحويل الأزمة إلى مشروع للنجاة والاستقرار. 

 وفي مقاله المعنون «السودان.. من محنة يوسف إلى حكمته»، يستعيد شقلاوي ما تناوله في مقال سابق بعنوان «البرهان وسؤال السنوات العجاف»، بشأن حصيلة السنوات السبع الماضية، وما شهدته من اختلالات في بنية الدولة وإدارة السلطة، وصولاً إلى الحرب التي وضعت السودان ومؤسساته أمام اختبار تاريخي.  

ويرى الكاتب أن تقييم هذه المرحلة لا ينبغي أن يتوقف عند ما تحقق من صمود عسكري، بل يجب أن يمتد إلى قدرة القيادة على تحويل التضحيات والانتصارات إلى دولة قائمة على المؤسسات والكفاءة وسيادة القانون.  

من سنوات القحط إلى حكمة إدارة الأزمات 

 يستحضر شقلاوي قصة يوسف عليه السلام باعتبارها نموذجاً للحكمة السياسية والإدارة الرشيدة، حيث لم تكن النجاة من المجاعة مجرد استجابة لظرف طارئ، وإنما ثمرة رؤية استباقية وخطة محكمة لإدارة الموارد، وقيادة استطاعت تحويل المعرفة إلى قرارات تحقق الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.  

ويؤكد أن العبرة التي يحتاج إليها السودان اليوم تتمثل في أن الأزمات لا تنتهي بمجرد زوال أسبابها، وإنما تبدأ فرص التعافي عندما تتوافر الرؤية والإرادة وحسن التدبير.  

ويشير إلى أن الحرب كشفت عن أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية، لتشمل هشاشة البناء السياسي، وضعف المؤسسات، وغياب الرقابة، وتداخل مراكز القرار، وهي اختلالات جعلت الدولة أكثر عرضة للاهتزاز والانهيار. 

 حكومة رشيقة وإصلاح مؤسسي شامل 

 ويضع الكاتب إعادة ترتيب الجهاز التنفيذي في مقدمة متطلبات المرحلة المقبلة، داعياً إلى دمج الوزارات وبناء حكومة رشيقة وفاعلة تستند إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة، بعيداً عن المحاصصات والمجاملات.  

حكومة الأمل بقيادة كامل إدريس
حكومة الأمل بقيادة كامل إدريس

ويرى أن المرحلة تحتاج إلى حكومة ذات أولويات واضحة، تربط المسؤولية بالمحاسبة والإنجاز، وتمنح القيادات التنفيذية صلاحيات حقيقية ضمن برنامج عمل معلن، بدلاً من استمرار إدارة الملفات بأساليب وصفها بعقلية «المقطوعية». 

 كما يشدد على أن إصلاح الجهاز التنفيذي لن يكون كافياً دون معالجة غياب المجلس التشريعي والرقابة على الأداء الحكومي، داعياً إلى تأسيس إطار تشريعي ورقابي يستند إلى توافق وطني، ويضمن التوازن بين المؤسسات ويحد من انفراد أي جهة بالقرار. 

 الحوار الوطني.. توافق دون محاصصة  

وفي المسار السياسي، يطرح شقلاوي ضرورة إسناد الحوار السوداني السوداني للتوافق حول مستقبل الدولة، بمشاركة القوى السياسية والمجتمعية والمهنية والشباب والمرأة والنازحين واللاجئين.  

لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني
لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني

ويحذر من أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج النخب السياسية التي أخفقت في إدارة المرحلة السابقة، أو إلى محاصصة جديدة لا تستجيب لتطلعات السودانيين.

  ويحدد الكاتب مجموعة من الثوابت التي ينبغي أن يقوم عليها أي توافق وطني، أبرزها وحدة السودان وسيادته، ووحدة المؤسسة العسكرية، والاحتكام إلى الدستور والقانون، والانتقال نحو حكم وطني مستقر. 

 كما يلفت إلى ضرورة التمييز بين المصالحة الوطنية وإسقاط العدالة، مؤكداً أن التوافق السياسي لا ينبغي أن يكون مدخلاً للإفلات من المساءلة. 

 جيش وطني واحد واستعادة الأمن والاستقرار

  وعلى الصعيد الأمني، يضع الكاتب بناء جيش وطني واحد يحتكر استخدام القوة المسلحة وفق الدستور والقانون ضمن الشروط الأساسية لاستعادة الدولة.  ويربط ذلك بضرورة تنفيذ ترتيبات أمنية نافذة، ومعالجة آثار الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف الملائمة للعودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين. 

الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد الأعلى للجيش
الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد الأعلى للجيش

 كما يدعو إلى تحرك دبلوماسي جاد لوقف التدخلات الخارجية وتجفيف مصادر تمويل وتسليح المليشيا، محذراً من أن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة يجعل فرص بناء سلام مستدام أكثر تعقيداً، ويبقي السودان عرضة لصراعات المصالح الإقليمية والدولية. 

 الاقتصاد والإعمار.. من إدارة الطوارئ إلى الإنتاج 

 اقتصادياً، يدعو شقلاوي إلى الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى برنامج وطني للإنقاذ والإعمار، يعيد الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة. 

 ويشمل هذا التوجه، بحسب المقال، حماية الموسم الزراعي، وإصلاح القطاع المصرفي، وضبط الإيرادات العامة، وتوجيه الإنفاق نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

  ويؤكد الكاتب أن السودان يمتلك موارد وإمكانات كبيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء إدارة قادرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستقرار اقتصادي واجتماعي.  

سياسة خارجية تنطلق من المصالح الوطنية

  وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، يشدد المقال على أهمية تبني سياسة واضحة تنطلق من المصالح الوطنية، وتوحد المنبر الدبلوماسي السوداني، وتتعامل مع المبادرات الإقليمية والدولية باعتبارها أدوات مساندة للإرادة الوطنية، لا بديلاً عنها. 

رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان والرئيس الروسي فلاديمير بوتن
رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان والرئيس الروسي فلاديمير بوتن

 ويرى شقلاوي أن غياب التصور الموحد للمصالح الوطنية يضع الدولة أمام مخاطر الابتزاز وتضارب المبادرات والمواقف الخارجية.  السؤال الأهم: ماذا بعد سنوات الحرب؟  ويخلص الكاتب، في زاوية «وجه الحقيقة»، إلى أن السؤال الذي طرحه سابقاً بشأن حصيلة السنوات العجاف يجد امتداده اليوم في سؤال الحكمة والقدرة على بناء المستقبل.  

فالتاريخ، وفق رؤيته، لا يمنح القادة مكانتهم لمجرد عبور الأزمات، وإنما بقدرتهم على تحويل لحظات الخطر إلى فرص لإعادة تأسيس الدولة.  ومن قصة يوسف عليه السلام يستخلص شقلاوي أن النجاح لا يكمن فقط في النجاة من المجاعة، وإنما في امتلاك الرؤية التي تمنع تكرارها.  

ويضع ذلك أمام قيادة السودان مسؤولية الانتقال من عقلية إدارة الحرب إلى عقلية بناء الدولة، باعتبار أن حماية الدولة لا تكتمل بمجرد الحفاظ على كيانها، بل تتطلب شجاعة إصلاح مؤسساتها وإعادة بناء أسسها السياسية والاقتصادية والأمنية.  

د. إبراهيم شقلاوي 

 وجه الحقيقة 

 الخميس 5 نوفمبر 2026م

السودانإبراهيم شقلاويبناء الدولةمستقبل السودانإعادة الإعمار.

اقرأ أيضاً