إثيوبيا في مواجهة إفريقيا.. هل تدفع سياسات آبي أحمد إلى نقل مقر الاتحاد الإفريقي؟

برودكاست نيوز _ تحقيق خاص
القرن الإفريقي لم يعد الجدل حول استضافة إثيوبيا لمقر الاتحاد الإفريقي مجرد نقاش سياسي عابر، أو خلاف دبلوماسي بين دولتين جارتين، بل بدأ يطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمصداقية المنظمة القارية وقدرتها على حماية المبادئ التي تأسست من أجلها: هل يجوز أن تحتضن دولة مقر الاتحاد الإفريقي، بينما تواجه اتهامات من جيرانها بالتدخل في شؤونهم، وتهديد أمنهم القومي، والسماح باستخدام أراضيها في أعمال عسكرية عابرة للحدود؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة عقب تصاعد التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، واتهامات الحكومة السودانية لإثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها ومطاراتها في عمليات عسكرية تستهدف منشآت مدنية وحيوية داخل السودان، بالتزامن مع توترات إثيوبية إريترية متصاعدة، وخلافات سابقة مع الصومال بشأن مذكرة التفاهم الموقعة مع إقليم أرض الصومال.
وفي ظل هذه التطورات، لم تعد المطالبة بنقل مقر الاتحاد الإفريقي من أديس أبابا مجرد فكرة احتجاجية، بل تحولت إلى قضية سياسية وأخلاقية تستحق النقاش داخل مؤسسات الاتحاد، وبين الدول الأعضاء، وفي أوساط النخب السياسية والإعلامية الإفريقية.
السودان يضع الاتحاد الإفريقي أمام اختبار المصداقية
في أحدث تصعيد للموقف السوداني، أعلن وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر أن إثيوبيا، باعتبارها دولة مقر الاتحاد الإفريقي، تخالف الأسس التي قامت عليها المنظمة، بالسماح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار.
وقال الإعيسر إن ما وصفه باحتضان العصابات المسلحة والمرتزقة، والسماح باستخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف البنى التحتية والمنشآت المدنية، بما فيها محطات المياه والكهرباء والوقود، يتعارض بصورة مباشرة مع مبادئ حسن الجوار والسلم والأمن الإفريقي.
وذهب الوزير إلى أبعد من ذلك، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن بها للعمل الإفريقي المشترك أن يتطور، بينما الدولة التي تستضيف مقر أكبر منظمة قارية هي نفسها، وفق اتهامات الخرطوم، تسمح باستخدام أراضيها للاعتداء على المنشآت المدنية في دولة عضو ومؤسسة للمنظومة الإفريقية.
وأشار الإعيسر إلى اتهامات السودان لإثيوبيا بالسماح بوجود عناصر من قوات الدعم السريع على أراضيها، واستخدام مطاراتها في أنشطة عسكرية معادية للسودان، إلى جانب ما وصفه بالدعم العسكري الذي يصل إلى الدعم السريع عبر أطراف خارجية.
وشدد على أن السودان لا يزال يتمسك بما سماه «دبلوماسية الفرصة الأخيرة»، مطالباً القيادة الإثيوبية بمراجعة سياساتها ووقف ما وصفه بالتعديات على السودان، مؤكداً أن احترام السيادة الوطنية والأمن القومي السوداني مسؤولية لا تقبل التأجيل.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد إعلان وزارة الخارجية السودانية، في الثاني من نوفمبر الجاري، تقديم شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، بشأن اتهامات باستخدام الأراضي الإثيوبية في إطلاق مسيّرات استهدفت منشآت حيوية داخل السودان.
وبحسب الرواية السودانية، تضمنت الشكوى مستندات وأدلة تقول الخرطوم إنها تثبت استخدام أراضٍ إثيوبية في تلك العمليات.
وفي المقابل، سبق أن نفت إثيوبيا اتهامات دعم قوات الدعم السريع، مؤكدة احترامها سيادة السودان. وهنا تبرز ضرورة الانتقال من تبادل الاتهامات إلى تحقيق دولي مستقل وشفاف، يفحص الأدلة ويحدد المسؤوليات، بعيداً عن الحسابات السياسية.
أصوصا.. عندما ينتقل الخلاف من الشكوى إلى المواجهة الدبلوماسية
ومن المؤشرات التي تعكس اتساع الأزمة، ما أورده الكاتب حيدر بركة في مقاله «دبلوماسية الحافة في القرن الإفريقي: طرد القنصلية السودانية من أصوصا وتداعياتها الإقليمية»، بشأن قرار السلطات الإثيوبية إغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا، وإمهال طاقمها الدبلوماسي مغادرة البلاد.
ويرى بركة أن الخطوة تمثل تصعيداً دبلوماسياً خطيراً، خصوصاً أنها جاءت في أعقاب تحركات السودان لتقديم شكواه إلى المؤسسات الدولية والإفريقية. ويطرح الكاتب تساؤلاً حول دلالات الرد الإثيوبي، معتبراً أن معالجة الاتهامات عبر إجراءات دبلوماسية تصعيدية، بدلاً من فتح تحقيق وتقديم توضيحات رسمية، من شأنها تعميق أزمة الثقة بين البلدين.
وتظل هذه الواقعة، إذا تأكدت تفاصيلها رسمياً، مؤشراً إضافياً على أن الأزمة تجاوزت مرحلة التباين في المواقف إلى مرحلة المواجهة الدبلوماسية المباشرة.
الصحفي مؤسي داؤود: نقل المقر أصبح ضرورة
وفي سياق المطالبات بنقل مقر الاتحاد الإفريقي، دعا الصحفي مؤسي داؤود، في تصريحات لإذاعة بلادي، إلى تغيير مقر المنظمة بصورة عاجلة من إثيوبيا إلى دولة إفريقية أخرى تحترم حق شعوب القارة في العيش بسلام.
وتستند هذه الدعوة إلى فكرة أساسية مفادها أن استضافة المنظمة القارية ينبغي ألا تكون امتيازاً جغرافياً أو تاريخياً دائماً، وإنما مسؤولية ترتبط باحترام الدولة المضيفة للمبادئ التي يدافع عنها الاتحاد.
فإذا كانت أديس أبابا قد احتضنت منظمة الوحدة الإفريقية منذ تأسيسها عام 1963، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن استضافة مقر الاتحاد الإفريقي يجب أن تبقى بمنأى عن المراجعة السياسية والمؤسسية مهما كانت الظروف.
الجنرال معاوية علي عوض الله: كيف تستضيف المنظمة دولة تقوض الأمن الإقليمي؟
من جانبه، يرى الجنرال والخبير العسكري الدكتور معاوية علي عوض الله أن ما يقوم به نظام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وفق تقديره، من ممارسات عدائية تجاه السودان وبعض دول الجوار يتعارض مع الميثاق الإفريقي ومبادئ السلم والأمن الجماعي.
ويطرح معاوية سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة تتهمها أطراف إقليمية بتقويض الأمن والاستقرار الإفريقي أن تكون حاضنة لمقر منظمة قارية مهمتها الأساسية منع النزاعات وتعزيز السلام والتعاون بين الدول؟
وتستمد هذه الرؤية أهميتها من التناقض الذي قد ينشأ بين الدور المفترض للدولة المضيفة ومسؤوليات الاتحاد الإفريقي، خصوصاً أن المنظمة لا يفترض أن تكون مجرد مبنى ومؤسسات إدارية، بل إطاراً سياسياً وأخلاقياً لحماية مصالح شعوب القارة.
إريتريا.. أزمة البحر الأحمر تعيد رسم المشهد
ولا يمكن قراءة الأزمة السودانية الإثيوبية بمعزل عن التوترات المتصاعدة بين أديس أبابا وأسمرا. فمنذ تجدد النقاش الإثيوبي حول ضرورة الحصول على منفذ بحري، وتصاعد الخطاب السياسي بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة شديدة الحساسية.
وتكتسب هذه الأزمة خطورتها من الموقع الاستراتيجي لإريتريا على البحر الأحمر، ومن ارتباط أي محاولة لفرض ترتيبات جديدة بشأن الموانئ والمنافذ البحرية بتوازنات الأمن الإقليمي ومصالح دول المنطقة.
وفي الأول من أكتوبر 2026، أعربت مفوضية الاتحاد الإفريقي عن قلقها من تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، ودعت الدول الثلاث إلى ضبط النفس وتسوية خلافاتها عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.
كما شهد الشهر نفسه تصعيداً دبلوماسياً بين أديس أبابا وأسمرا، شمل طرد دبلوماسيين وإغلاق السفارة الإثيوبية في إريتريا، وفق تقارير دولية. وهنا يبرز التناقض مرة أخرى: المنظمة التي يفترض أن تقود جهود احتواء النزاعات في القارة تجد نفسها أمام دولة مضيفة تقع في قلب أزمة إقليمية تتسع تداعياتها.
أرض الصومال.. اختبار آخر لوحدة الدول الإفريقية
ومن الملفات التي أضافت مزيداً من التعقيد إلى علاقات إثيوبيا بجيرانها، مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع إقليم أرض الصومال في الأول من يناير 2024.
وقد أثارت المذكرة أزمة حادة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، بعد ارتباطها بترتيبات تتعلق بحصول إثيوبيا على منفذ بحري مقابل توجه إثيوبي للاعتراف باستقلال الإقليم.
ومن المهم هنا التمييز بين توقيع المذكرة والاعتراف الرسمي؛ فالمذكرة لم تكن في حد ذاتها إعلاناً عن اعتراف إثيوبي مكتمل باستقلال أرض الصومال.
وقد عبّر الاتحاد الإفريقي عن موقف واضح من هذه القضية، إذ أكد رئيس مفوضية الاتحاد في 26 ديسمبر 2025 رفض أي مبادرة أو إجراء يستهدف الاعتراف بأرض الصومال ككيان مستقل، وشدد على أنها جزء لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية.
وتكشف هذه الأزمة عن حساسية مبدأ وحدة الأراضي والحدود الموروثة عند استقلال الدول الإفريقية، وهو أحد الأسس التي قام عليها النظام القاري منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية.
وبذلك، فإن التوترات مع الصومال لا تمثل مجرد خلاف حول ميناء أو منفذ بحري، وإنما تضع إثيوبيا أمام تساؤلات تتعلق بمدى انسجام تحركاتها الإقليمية مع مبادئ الاتحاد الإفريقي.
هل أصبح نقل مقر الاتحاد الإفريقي ضرورة سياسية؟
إن الدعوة إلى نقل مقر الاتحاد الإفريقي من أديس أبابا تستند إلى حجة سياسية وأخلاقية واضحة: لا ينبغي أن تكون استضافة المنظمة القارية امتيازاً منفصلاً عن مسؤولية الدولة المضيفة في احترام سيادة الدول الأعضاء وعدم تعريض أمنها للخطر.
لكن نقل المقر ليس قراراً إدارياً بسيطاً يمكن تنفيذه بمجرد صدور دعوة سياسية أو بيان احتجاجي. فالمادة 24 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي تنص على أن يكون مقر الاتحاد في أديس أبابا بجمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، كما أن هناك اتفاقاً رسمياً بين الاتحاد والحكومة الإثيوبية بشأن المقر أُبرم في عام 2008.
وهذا يعني أن نقل المقر يتطلب مساراً مؤسسياً وقانونياً تتولاه أجهزة الاتحاد والدول الأعضاء، وليس مجرد قرار أحادي من دولة أو مجموعة دول. ومع ذلك، فإن وجود هذه الترتيبات القانونية لا يمنع الدول الأعضاء من فتح نقاش سياسي جاد حول مستقبل الاستضافة، ومدى التزام الدولة المضيفة بتعهداتها ومسؤولياتها.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدول الإفريقية ليس فقط: أين يجب أن يكون مقر الاتحاد؟ بل أيضاً: ما الضمانات التي تمنع الدولة المضيفة من تحويل موقعها إلى أداة ضغط سياسي أو نفوذ على المنظمة؟
أين يمكن أن ينتقل المقر؟.. معركة رمزية تتجاوز الجغرافيا
إذا اتجهت الدول الإفريقية إلى مناقشة نقل المقر، فإن الخيارات الجغرافية ليست هي العقبة الوحيدة. فهناك اعتبارات تتعلق بالاستقرار السياسي، والحياد الدبلوماسي، والبنية التحتية، وسهولة وصول الوفود، والقدرة على توفير بيئة مستقلة لعمل المنظمة.
ومن بين الدول التي يمكن أن تدخل دائرة النقاش، رواندا والسنغال وغانا وكينيا وجنوب إفريقيا، باعتبارها دولاً تمتلك تجارب مؤسسية ودبلوماسية وبنية لاستضافة المؤسسات القارية والدولية.
لكن الأهم ألا يتحول اختيار الدولة البديلة إلى صراع نفوذ جديد بين العواصم الإفريقية، بل ينبغي أن يقوم على معايير معلنة تضمن استقلال الاتحاد وحياده.
هل تستطيع إفريقيا محاسبة الدولة المضيفة؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في القضية. فالاتحاد الإفريقي ليس منظمة بلا قواعد؛ إذ يقوم قانونه التأسيسي على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز السلم والأمن في القارة.
وإذا ثبت بصورة مستقلة أن دولة مضيفة سمحت باستخدام أراضيها لشن اعتداءات على دولة عضو، فإن الأمر لن يكون مجرد خلاف ثنائي، بل سيصبح اختباراً حقيقياً لقدرة المنظمة على تطبيق مبادئها دون استثناءات سياسية.
ومن هنا يمكن أن تتدرج المطالب الإفريقية من فتح تحقيق مستقل، ومساءلة الدولة المعنية، ووضع ضمانات لحياد المقر، وصولاً إلى بحث نقل المقر إذا ثبت وجود إخلال جسيم ومستمر بالالتزامات.
فلا قيمة لمؤسسة تتحدث عن الأمن الجماعي إذا عجزت عن حماية مبادئها من التناقض بين خطابها وممارسات أعضائها.
الخلاصة..
المقر ليس ملكاً تاريخياً لدولة إن أديس أبابا تستضيف المقر بحكم تاريخ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وبموجب ترتيبات قانونية ومؤسسية، لكن التاريخ وحده لا ينبغي أن يكون حصانة دائمة من المساءلة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الخلاف السوداني الإثيوبي إلى سبب وحيد للمطالبة بنقل المقر، أو أن تُبنى قرارات قارية بهذا الحجم على اتهامات لم تستكمل المؤسسات الدولية التحقيق فيها.
المطلوب أولاً كشف الحقيقة بشأن الاتهامات السودانية، والتحقق من استخدام الأراضي الإثيوبية في العمليات العسكرية، ومساءلة كل من يثبت تورطه، ووقف أي أنشطة تهدد أمن دول الجوار.
ثم يأتي السؤال السياسي الأكبر: هل لا تزال أديس أبابا المكان الأنسب لاحتضان مؤسسة يفترض أن تمثل جميع الأفارقة دون تمييز أو ازدواجية في المعايير؟
إن نقل مقر الاتحاد الإفريقي، إن أصبح ضرورة، يجب ألا يكون عقوبة للسودان أو لإريتريا أو للصومال، بل رسالة من القارة إلى العالم بأن المؤسسات الإفريقية ليست رهينة لعاصمة، وأن احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها أهم من أي اعتبار تاريخي أو سياسي.
فالاتحاد الإفريقي أكبر من إثيوبيا، وأكبر من أي عاصمة تستضيفه. ومقره ينبغي أن يكون عنواناً لوحدة إفريقيا وسلامها، لا نقطة خلاف وانقسام بين دولها.



