المقاومة الشعبية بسنار.. أزمة قيادة أم انفصال عن الحاضنة الشعبية؟

ياسر محمد محمود البشر يكتب
تواجه تجربة المقاومة الشعبية بولاية سنار تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة أدائها، ومدى ارتباط قيادتها بقواعدها المجتمعية، وقدرتها على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله، باعتبارها كياناً شعبياً مسانداً للقوات المسلحة في معركة الكرامة، لا مؤسسة إدارية موازية لأجهزة الدولة أو جسماً سياسياً منفصلاً عن المجتمع.
وتبدو تجربة المقاومة الشعبية في سنار، بقيادة اللواء متقاعد النور عبدالرحمن ونائبه اللواء متقاعد محمد العجب، بحاجة إلى مراجعة جادة، في ظل ما يصفه الكاتب بوجود فجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية، وتراجع الحضور الميداني والإعلامي، وانحسار التواصل مع قطاعات واسعة من مجتمع الولاية.
أزمة التواصل.. قيادة لا يعرفها معظم المجتمع
تقوم فكرة المقاومة الشعبية على التعبئة المجتمعية والمشاركة الطوعية، وتستمد قوتها من ثقة المواطنين والتفافهم حول أهدافها الوطنية. ولذلك فإن نجاح أي تجربة من هذا النوع لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الرسمية، وإنما بمدى حضورها وسط المواطنين وقدرتها على التعبير عن احتياجاتهم وتطلعاتهم.
وفي هذا السياق، يطرح الكاتب مفارقة لافتة في تجربة سنار، تتمثل في أن نسبة كبيرة من مواطني الولاية قد لا يعرفون أسماء قيادات المقاومة الشعبية، لولا ظهورهم عبر المنابر والفعاليات المرتبطة بهذا الكيان.
وهذه الملاحظة، بصرف النظر عن تقدير حجمها، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لقيادة كيان يستمد مشروعيته من المجتمع أن تحقق أهدافها دون تواصل مباشر وفاعل مع ذلك المجتمع؟
كان المنتظر أن تكون المقاومة الشعبية حاضرة في القرى والمدن والأسواق ومواقع الإنتاج، وأن تتفاعل مع المزارعين والعمال والمهنيين والشباب والقيادات المجتمعية، بما يجعلها انعكاساً حقيقياً لإرادة المواطنين، لا مجرد واجهة إدارية محدودة الحضور.
من العمل الشعبي إلى البيروقراطية.. أين اختفت روح المبادرة؟
من أبرز الانتقادات التي يثيرها الكاتب بشأن تجربة المقاومة الشعبية بسنار انتقالها، بحسب وصفه، من فضاء المبادرة المجتمعية المفتوحة إلى نمط من العمل المؤسسي المغلق.
فبدلاً من الانتشار وسط المحليات والقرى والمجتمعات المحلية، أصبحت أنشطة القيادة تتمحور حول المباني الرسمية، وعلى رأسها مباني المجلس التشريعي، مع تراجع التواصل المباشر مع محلية سنار ومكونات المجتمع المختلفة.
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية؛ فالمقاومة الشعبية ليست وزارة حكومية، ولا ينبغي أن تستنسخ أنماط العمل البيروقراطي التي تقوم على المكاتب والمخاطبات والاجتماعات الرسمية.
إن طبيعة هذا الكيان تفرض عليه المرونة وسرعة الاستجابة والمبادرة، والقدرة على الانتقال إلى مواقع الأحداث والاحتياجات، بدلاً من انتظار المواطنين للوصول إلى مقار القيادة. فالمقاومة التي تغادر الميدان وتستقر داخل المكاتب تفقد تدريجياً أهم عناصر قوتها، وهي التواصل والثقة والقدرة على الحشد المجتمعي.
العلاقة مع حكومة الولاية.. أين تنتهي الشراكة وتبدأ الاستقلالية؟
يثير المقال كذلك مسألة العلاقة بين قيادة المقاومة الشعبية والجهاز التنفيذي بولاية سنار، بقيادة الوالي الزبير. فالمقاومة الشعبية، رغم أهمية التنسيق بينها وبين حكومة الولاية، يفترض أن تحتفظ بطبيعتها المجتمعية واستقلالية دورها، حتى تتمكن من أداء وظيفة الإسناد والمساندة والمشاركة في معالجة قضايا المجتمع.
لكن الكاتب يرى أن الممارسة الحالية جعلت بعض قيادات المقاومة تبدو، في نظر قطاعات من المواطنين، أقرب إلى امتداد للجهاز التنفيذي، الأمر الذي يضعف صورتها ككيان شعبي مستقل.
ولا تعني الاستقلالية غياب التنسيق مع الحكومة أو الدخول في مواجهة معها، بل تعني أن تحتفظ المقاومة بهويتها المجتمعية، وأن تكون قادرة على نقل مطالب المواطنين وملاحظاتهم وممارسة دورها في الإسناد والتقويم، دون أن تتحول إلى جسم إداري إضافي.
فالمقاومة الشعبية القوية هي التي تساعد الحكومة على النجاح من خلال توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، وليس التي تكرر أدوار مؤسساتها أو تتحول إلى عبء إداري وسياسي عليها.
الإعلام.. الحلقة الأضعف في تجربة المقاومة الشعبية
لا يمكن الحديث عن تراجع الحضور المجتمعي دون التوقف عند الدور الإعلامي، الذي يمثل إحدى الأدوات الأساسية لبناء الثقة وتعريف المواطنين بالأنشطة والبرامج والأهداف.
ويرى الكاتب أن الإعلام في المقاومة الشعبية بسنار أخفق في تقديم صورة حقيقية عن أنشطتها، وعجز عن إبراز المبادرات الميدانية أو تسليط الضوء على جهود القواعد الشعبية، مكتفياً ببيانات رسمية محدودة التأثير.
وهذا القصور لا يمثل مشكلة إعلامية فحسب، بل يعكس خللاً في إدارة الاتصال مع المجتمع. فالإعلام الناجح لا يكتفي بنشر أخبار اجتماعات القيادة، وإنما يذهب إلى الميدان، ويوثق المبادرات، ويستمع إلى المواطنين، ويعرض الإنجازات والتحديات، ويفتح المجال أمام النقد والمساءلة.
كما أن غياب استراتيجية إعلامية واضحة يجعل الكيان بعيداً عن اهتمام الجمهور، مهما كانت الأنشطة التي ينفذها على أرض الواقع.
هل أصبحت المقاومة عبئاً على حكومة سنار؟
من أكثر النقاط إثارة للجدل في طرح الكاتب أن المقاومة الشعبية، بدلاً من أن تكون سنداً مجتمعياً لحكومة الولاية، أصبحت، وفق تقديره، خصماً سياسياً وإدارياً عليها.
وهذا الطرح يستحق التوقف، لأن العلاقة بين المقاومة الشعبية والسلطة التنفيذية يفترض أن تقوم على التكامل وتوزيع الأدوار، لا التداخل والتنافس على المساحات الإدارية والسياسية.
فالولاية التي تواجه تحديات الحرب وتداعياتها الاقتصادية والخدمية والأمنية تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى مؤسسات شعبية قادرة على تعبئة المجتمع والمساهمة في معالجة الأزمات.
أما تضارب الأدوار وتداخل الاختصاصات، فيؤديان إلى إضعاف الأداء العام، ويضاعفان الأعباء على الإدارة التنفيذية، ويبددان طاقات كان من الممكن توظيفها في خدمة المواطنين.
ما المطلوب لإنقاذ تجربة المقاومة الشعبية بسنار؟
إن معالجة أوجه القصور التي يطرحها الكاتب لا تتطلب مجرد تغيير في الخطاب الإعلامي أو عقد اجتماعات إضافية، وإنما تستدعي مراجعة شاملة لطبيعة العمل والهيكل الإداري وآليات التواصل مع المجتمع. ومن أبرز الخطوات المطلوبة:
1. إعادة الانتشار الميداني: نقل مركز الثقل من المكاتب والمباني الرسمية إلى المحليات والقرى ومناطق الإنتاج، وتعزيز التواصل مع المواطنين.
2. توسيع قاعدة المشاركة: إشراك القيادات الأهلية والشباب والمرأة والمهنيين والمزارعين في برامج المقاومة الشعبية ومبادراتها.
3. تطوير الهيكل الإداري: مراجعة أساليب الإدارة وتحديد الاختصاصات، بما يمنع تداخل الأدوار مع حكومة الولاية ومؤسساتها.
4. إصلاح المنظومة الإعلامية: إنشاء استراتيجية إعلامية مهنية توثق الأنشطة وتبرز المبادرات وتفتح قنوات التواصل مع المجتمع.
5. تعزيز الاستقلالية المجتمعية: الحفاظ على طبيعة المقاومة باعتبارها كياناً شعبياً مسانداً، لا امتداداً إدارياً أو سياسياً للحكومة.
6. تقييم القيادة والأداء: إخضاع التجربة لمراجعة موضوعية تقيس مستوى الإنجاز والانتشار والتأثير المجتمعي، وتحدد أوجه القصور والمسؤوليات.
سنار تحتاج إلى مقاومة شعبية حقيقية
إن قيمة المقاومة الشعبية لا تكمن في أسماء قياداتها أو مواقع اجتماعاتها أو حجم بياناتها الإعلامية، وإنما في قدرتها على التعبير عن المجتمع، وحشد طاقاته، وتعزيز التماسك الداخلي، ومساندة القوات المسلحة، والمساهمة في خدمة المواطنين.
وإذا كانت تجربة سنار قد واجهت بالفعل فجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية، فإن استمرار هذا الوضع لن يخدم المقاومة ولا حكومة الولاية ولا المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الشجاعة التي يطالب بها الكاتب، قبل أن تتسع الفجوة ويصبح إصلاحها أكثر صعوبة.
ويختتم ياسر محمد محمود البشر طرحه بتحذير سياسي مباشر، مفاده أن استمرار الوضع الراهن دون مراجعة جذرية قد يضع حكومة الوالي الزبير أمام استحقاق صعب، يصل إلى حد المطالبة بحل المقاومة الشعبية بصيغتها الحالية وإعادة تشكيلها على أسس جديدة.
فالكيانات الشعبية لا تستمد قوتها من المناصب، ولا تكتسب شرعيتها من المباني الرسمية، وإنما من الناس الذين تمثلهم، ومن الميدان الذي تتحرك فيه، ومن قدرتها على تحويل الشعارات الوطنية إلى عمل ملموس.
المصدر: صفحته على فيس بوك



