رجوع

رأي

السودان تحت مرأى العالم.. هل تحول الصمت الدولي إلى غطاء لاستمرار الحرب؟

محمد الحسينيبقلم محمد الحسينيموثق — نُشر 3 نوفمبر 2026

سرالختم السالمابي يكتب: السودان ينزف والعالم يكتفي بالمشاهدة.

الرائد متقاعد/ سرالختم السالمابي

  لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع عسكري داخلي، أو مواجهة بين قوتين تتنازعان السيطرة على الأرض، بل أصبحت أزمة إقليمية ودولية تتداخل فيها حسابات النفوذ والمصالح وشبكات إمداد السلاح والمقاتلين الأجانب.

 وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: لماذا يعجز المجتمع الدولي عن تحويل بيانات الإدانة والتحذير إلى مواقف عملية توقف نزيف الدم السوداني؟ 

 فبينما تتواصل الانتهاكات ضد المدنيين، وتتسع دائرة الدمار لتشمل المنشآت الحيوية والبنية التحتية، تبدو الاستجابة الدولية دون مستوى الكارثة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة بشأن جدية المؤسسات الدولية في حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ومواجهة الأطراف التي تسهم في إطالة أمد الحرب.  

شبكات الإمداد الخارجي.. الوجه الآخر للحرب 

 لم تعد الاتهامات المتعلقة بالتدخلات الخارجية في الحرب السودانية مجرد روايات متداولة في وسائل الإعلام، فقد كشفت تقارير دولية عن وجود شبكات عابرة للحدود تعمل على توفير المقاتلين والأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي للأطراف المتحاربة. 

 وفي هذا السياق، تزايدت التقارير المتعلقة بشبكات تجنيد ونقل مقاتلين أجانب، من بينهم متعاقدون عسكريون كولومبيون، فضلاً عن استخدام مسارات عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا لتسهيل نقل الأفراد والمعدات والدعم اللوجستي المرتبط بقوات الدعم السريع. 

 وهنا تبرز مسؤولية الدول التي تمر عبر أراضيها هذه الشبكات، أو تسمح باستخدام حدودها ومطاراتها وممراتها في نقل السلاح والمقاتلين، إذ لا يمكن فصل مسؤولية استمرار الحرب عن مسؤولية الجهات التي توفر لها أسباب البقاء والتوسع. 

 كما تظل الاتهامات المتعلقة بالدور الذي تلعبه بعض القوى الإقليمية، بما فيها الأطراف الموجودة في ليبيا، بحاجة إلى تحقيقات مستقلة ومساءلة دولية شفافة، بعيداً عن الحسابات السياسية.  

إثيوبيا وليبيا.. أسئلة الحدود ومسارات الإمداد 

 تتزايد المخاوف السودانية بشأن تداعيات الأنشطة العسكرية وشبكات الإمداد العابرة للحدود، خصوصاً في المناطق المتاخمة لإثيوبيا وليبيا.  

وفي هذا السياق، تطرح الاتهامات السودانية المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في تنفيذ هجمات أو تسهيل عمليات عسكرية أسئلة خطيرة بشأن أمن الحدود واحترام سيادة الدول.  

كما تثير التقارير المتعلقة باستخدام مناطق في جنوب شرق ليبيا، بينها مسارات عبر الكفرة، في نقل المقاتلين والمعدات العسكرية، مخاوف من تحول الأراضي الليبية إلى عمق لوجستي يغذي الصراع داخل السودان.

  إن خطورة هذه التطورات لا تكمن في تأثيرها العسكري المباشر فحسب، وإنما في احتمال تحول الحرب السودانية إلى صراع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه مصالح الدول وشبكات المرتزقة وتجارة السلاح.  

 أين المجتمع الدولي من مأساة السودان؟ 

 السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس غياب المعلومات عن حجم المأساة السودانية، وإنما غياب الإجراءات الكافية لوقفها. 

 فالأمم المتحدة تمتلك تقارير مفصلة عن الانتهاكات، ومجلس الأمن لديه أدوات قانونية وسياسية، والمحكمة الجنائية الدولية تملك ولاية التحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور، بينما تواصل المنظمات الحقوقية توثيق شهادات الضحايا والناجين. 

 وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، خلصت إلى أن كثيراً منها قد يرقى إلى جرائم حرب، مع وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن بعض أفعال قوات الدعم السريع قد تشكل جرائم ضد الإنسانية. 

 أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد أكدت استمرار تحقيقاتها بشأن الجرائم المرتكبة في دارفور، بما في ذلك أحداث الجنينة والفاشر.  لكن السؤال يبقى: متى تنتقل هذه التحقيقات من مرحلة جمع الأدلة والتصريحات إلى مرحلة تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا؟  

 ازدواجية المعايير.. حين تتقدم المصالح على العدالة  

أحد أكثر الجوانب إيلاماً في الموقف الدولي هو الشعور المتنامي لدى السودانيين بأن مأساتهم لا تحظى بالاهتمام السياسي والإعلامي الذي تستحقه.

  فالمجتمع الدولي الذي يمتلك القدرة على فرض العقوبات، وتشكيل لجان التحقيق، وإصدار القرارات، وممارسة الضغوط الدبلوماسية، يبدو أقل قدرة على اتخاذ خطوات رادعة عندما يتعلق الأمر بالسودان. 

 ولا يعني ذلك أن المؤسسات الدولية لم تتحرك مطلقاً، أو أن جهودها الإنسانية والحقوقية غائبة، ولكن حجم التحرك لا يزال أقل بكثير من حجم الكارثة، خصوصاً فيما يتعلق بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات وملاحقة شبكات التمويل والتسليح والتجنيد. 

 إن العدالة الدولية لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتغير معاييرها وفق هوية الضحايا أو مصالح الدول الكبرى أو طبيعة التحالفات السياسية.  فدماء السودانيين ليست أقل قيمة، وحقهم في الحياة والأمن والكرامة لا يقل عن حقوق أي شعب آخر.  

المطلوب.. من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية  

إن استمرار الحرب في السودان يفرض على المجتمع الدولي الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة اتخاذ إجراءات ملموسة، تبدأ بالآتي:  

1\. التحقيق في التدخلات الخارجية: تشكيل آليات دولية مستقلة للتحقق من مسارات نقل السلاح والمقاتلين والتمويل، ومحاسبة الجهات المتورطة وفق الأدلة والقانون الدولي. 

 2\. ضبط الحدود والممرات: ممارسة ضغوط جدية على الدول المعنية لمنع استخدام أراضيها ومطاراتها ومنافذها في نقل الأسلحة والمرتزقة إلى السودان.  

3\. توسيع نطاق حظر السلاح: تنفيذ قرارات حظر السلاح القائمة، والنظر في توسيع نطاقها ليشمل جميع أنحاء السودان.

  4\. تسريع العدالة الدولية: دعم المحكمة الجنائية الدولية وتوفير الإمكانات اللازمة للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، وملاحقة المسؤولين عنها دون استثناء.

  5\. حماية المنشآت المدنية: اتخاذ موقف واضح من استهداف محطات الكهرباء والمستشفيات والمرافق الحيوية والمنشآت التي يعتمد عليها المواطنون في حياتهم اليومية

 6\. ملاحقة مصادر التمويل: العمل على كشف شبكات التمويل والتجنيد والتسليح، وعدم الاكتفاء بمحاسبة المنفذين الميدانيين مع ترك الجهات التي تغذي الحرب بعيداً عن المساءلة.  

كلمة أخيرة.. السودان لا يطلب المستحيل 

 إن الشعب السوداني لا يطلب من المجتمع الدولي الانحياز إلى طرف في الحرب، ولا التدخل لمصلحة أجندة سياسية أو عسكرية، وإنما يطالب بالانتصار لمبادئ القانون الدولي وحق الإنسان في الحياة، ووقف تدفق السلاح والمرتزقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات. 

 إن الصمت أمام المأساة، والتباطؤ في اتخاذ الإجراءات، وترك شبكات الإمداد تعمل دون مساءلة، كلها عوامل تمنح الحرب فرصة إضافية للاستمرار، وتضاعف معاناة ملايين السودانيين. 

 لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، ومن اقتصاده ومؤسساته وبنيته التحتية، ولم يعد مقبولاً أن تظل معاناة شعبه مجرد بند متكرر في اجتماعات المنظمات الدولية.

  فالتاريخ لا يسجل فقط أسماء من أشعلوا الحروب، بل يسجل أيضاً مواقف الذين امتلكوا القدرة على وقفها واختاروا الاكتفاء بالمشاهدة. 

 والسؤال الذي سيظل مطروحاً: هل يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذ السودان، أم يتركه رهينة لحسابات المصالح وتوازنات النفوذ؟

المصدر: صفحته على فيس بوك

السودان تحت مرأي العالمالتدخلات الخارجية في السودانالمجتمع الدولي والسودانالمرتزقة في السودانالدعم السريعإثيوبيا والسودانليبيا والحرب السودانيةالمحكمة الجنائية الدوليةانتهاكات حقوق الإنسان في السودان.

اقرأ أيضاً