رأي

شهر من التكليف.. زهير بانقا يوقظ ذاكرة الثقافة ويمنح الإعلام روحاً جديدة

محمد الحسينيبقلم محمد الحسيني — نُشر 23 أكتوبر 2026

حراك زهير الطيب بانقا في المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، ومبادرات ربط الثقافة بالإنتاج والعمل الميداني.

بعد شهر من التكليف.. زهير بانقا يوقظ ذاكرة الثقافة ويمنح الإعلام روحاً جديدة

من لقاء المبدعين إلى ميادين البرقيق، ومن إذاعة المزارع إلى إعادة الحياة للمؤسسات الثقافية.. شهرٌ من الحراك عنوانه "الثقافة تقود المجتمع والإنتاج"

لم يكن السؤال، حين جرى اختيار زهير الطيب بانقا لقيادة المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، مجرد سؤال عن اسم يتولى موقعاً تنفيذياً، بل كان سؤالاً عن قدرة الثقافة على النهوض، وعن إمكانية أن يستعيد الإعلام دوره في ملامسة حياة الناس، وعن تلك المسافة التي طالما فصلت بين المؤسسات والمجتمع، وبين الفكرة الجميلة والعمل الذي يمنحها الحياة.

واليوم، بعد شهر من التكليف، يبدو المشهد وكأن السؤال قد غادر مساحة التوقعات إلى رحابة الحركة؛ فثمة أبواب فُتحت، ووجوه استُحضرت من ذاكرة الإبداع، وميادين زارها الإعلام، ومؤسسة بدأت تستعيد حيويتها، ورؤية أخذت تبحث عن طريقها وسط تفاصيل الواقع.

هكذا اختار زهير بانقا أن يقدم نفسه للمشهد؛ لا باعتباره اسماً جديداً في موقع المسؤولية فحسب، وإنما بوصفه صاحب مشروع يراهن على أن الثقافة ليست ترفاً مؤجلاً، وأن الإعلام ليس صدى للأحداث، بل كلاهما قادر على تحريك المجتمع وإضاءة الطريق أمام الإنتاج.

حين تصبح الثقافة جسراً إلى الناس

في المجتمعات التي تتطلع إلى النهوض، لا تبدأ النهضات دائماً من المصانع والحقول وحدها؛ فكثيراً ما تبدأ من فكرة توقظ الوعي، وكلمة تستنهض الهمم، ومبدع يجد من يصغي إليه، ومؤسسة تؤمن بأن الإنسان هو نقطة البداية في كل مشروع للتنمية.

من هذا الباب يمكن قراءة اهتمام زهير بانقا بلقاء الأدباء والشعراء والمبدعين، في خطوة تعيد الاعتبار إلى أولئك الذين يحملون في كلماتهم وأعمالهم شيئاً من وجدان المجتمع وذاكرته وأحلامه.

لقد بدا الشعار الذي اختاره، "الثقافة تقود المجتمع والإنتاج"، أقرب إلى مفتاح لفهم طبيعة الحراك الذي يسعى إليه؛ فالثقافة هنا ليست أمسية تنتهي بانطفاء الأضواء، ولا قصيدة تُلقى ثم تعود إلى رفوف النسيان، بل طاقة كامنة في المجتمع، يمكن أن تتحول إلى وعي وعمل ومبادرة، وإلى قدرة على استنهاض الإنسان من أجل واقعه ومستقبله.

ولعل أجمل ما في هذا التوجه أنه يعيد المبدع إلى قلب المشهد، ويمنح الكلمة مكانها الطبيعي في معركة البناء، حيث لا يقل دور الشاعر والكاتب والفنان عن أهمية أي جهد يسعى إلى ترميم الروح الاجتماعية وإعادة الثقة في إمكانات المجتمع.

فالمؤسسات الثقافية لا تزدهر بالجدران وحدها، وإنما بأهل الفكر والإبداع، ولا تكتسب معناها الحقيقي إلا حين تصبح أبوابها مفتوحة أمامهم، وحين يشعرون بأنهم شركاء في صناعة المشهد، لا مجرد ضيوف على مناسباته.

من المكاتب إلى البرقيق.. حين يمشي الإعلام على الأرض

ولأن الثقافة التي لا تلامس الناس تفقد شيئاً من رسالتها، ولأن الإعلام الذي يكتفي بمراقبة الحياة من خلف المكاتب لا يستطيع أن ينقل نبضها كاملاً، حمل بانقا الحراك إلى محلية البرقيق، على رأس وفد إعلامي كبير، في زيارة وضعت حياة المواطنين وأوضاعهم وواقع المحلية ضمن دائرة الاهتمام.

في هذه الخطوة صورة تستحق التأمل؛ فالميدان هو المكان الذي تتكشف فيه الحكايات على حقيقتها، وتخرج فيه الكلمات من عمومياتها إلى تفاصيل الإنسان، حيث يعيش الناس، ويعملون، ويزرعون، ويواجهون تحديات الحياة، ويحملون في الوقت ذاته أحلاماً لا تقل اتساعاً عن أحلام المدن الكبيرة.

هناك، لا تكون مهمة الإعلام مجرد التقاط الصور وتسجيل الزيارات، بل اكتشاف ما يستحق أن يُروى، وما ينبغي أن يصل إلى المسؤول وصانع القرار والرأي العام. هناك تتقدم حكاية المواطن لتصبح جزءاً من الحكاية الكبرى للولاية.

ولذلك، فإن الخروج إلى المحليات يحمل معنى يتجاوز الحركة الجغرافية؛ إنه انتقال في زاوية النظر، من انتظار الحدث حتى يقع إلى الذهاب نحو الناس، ومن الاكتفاء بما تقوله المكاتب إلى محاولة اكتشاف ما تقوله الحياة نفسها.

وفي ولاية واسعة كالشمالية، تتوزع فيها التجارب والإمكانات والقصص الإنسانية، يصبح الإعلام الميداني ضرورة لإظهار ما قد تخفيه المسافات، ولمنح المجتمعات المحلية حضوراً يليق بدورها في حياة الولاية.

إذاعة المزارع.. حين تنحاز الكلمة إلى سنابل القمح

ومن أجمل الصور التي يختزلها شعار "الثقافة تقود الإنتاج" أن تمتد يد الإعلام إلى يد المزارع، وأن تخرج الرسالة من استوديو البث لتلتقي بالأرض التي تنتظر البذرة والماء والجهد.

هنا تأتي إذاعة المزارع، التي جرى تدشينها دعماً للموسم الزراعي بالولاية الشمالية، في وقت تتجه فيه الولاية إلى زراعة مليون فدان.

إنها فكرة تمنح الإعلام وظيفة تتجاوز نقل الخبر؛ فالمزارع يحتاج إلى المعلومة كما يحتاج إلى أدوات الإنتاج، ويحتاج إلى من يسمع صوته، وينقل قضاياه، ويعرّفه بالتجارب الناجحة، ويقربه من مصادر المعرفة والإرشاد.

وفي أرض تعرف قيمة الزراعة، وتدرك أن وراء كل موسم حكاية جهد وانتظار وأمل، يمكن أن تصبح إذاعة المزارع صوتاً يرافق الحقول، ويمنح المنتج مساحة للتعبير، ويجعل من المعلومة رفيقاً للعمل اليومي.

وإذا كانت السنابل تنمو بما يصل إليها من ماء ورعاية، فإن الوعي الإنتاجي يحتاج بدوره إلى إعلام يعرف كيف يخاطب الناس بلغتهم، ويقترب من احتياجاتهم، ويجعل من المعرفة جزءاً من دورة الإنتاج.

من هنا تتجلى قيمة المبادرة؛ لا في كونها إضافة إلى المشهد الإعلامي فحسب، بل في الفكرة التي تقف وراءها: أن تكون الكلمة إلى جوار المحراث، وأن يجد المزارع في الإعلام شريكاً يسمع صوته ويخاطب واقعه.

ترميم المكان.. واستعادة الروح

وفي داخل المجلس الأعلى للثقافة والإعلام، لم ينفصل الاهتمام بالحراك عن الاهتمام بالمكان الذي يحتضنه. فقد شملت التحركات صيانة مقر المجلس وتأهيله، وافتتاح قاعات وتأهيل مرافق ثقافية، في مسعى لتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للعمل والنشاط.

وللمكان في حياة المؤسسات رمزيته؛ فالمقر الذي يستعيد عافيته، والقاعة التي تفتح أبوابها، والمرفق الذي يعود إلى أداء وظيفته، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تحمل معنى أكبر حين ترتبط بإرادة تحريك العمل وإعادة ترتيب الأولويات.

فكم من فكرة تحتاج إلى قاعة تحتضنها، وكم من موهبة تنتظر منصة تظهر عليها، وكم من مبادرة تتعثر لأنها لا تجد المكان الذي يجمع أصحابها ويمنحهم فرصة اللقاء.

غير أن الأجمل من ترميم الجدران هو أن تدب الحياة فيما وراءها؛ أن تتحول القاعات إلى فضاءات للإبداع والحوار، وأن تصبح المرافق المؤهلة حاضنة لأنشطة منتظمة، وأن يشعر العاملون والمبدعون بأن المؤسسة التي ينتمون إليها تتقدم معهم، وتوفر لهم ما يعينهم على أداء رسالتهم.

وهنا يكتسب العمل المؤسسي معناه الأعمق: أن تتكامل تهيئة المكان مع إطلاق البرامج، وأن يصبح الإصلاح المادي مدخلاً لإصلاح أوسع في الأداء والروح والرسالة.

الأيدي التي تتصافح من أجل مشروع أكبر

لم يكن الحراك محصوراً في حدود المجلس، بل امتد إلى لقاء عدد من الوزراء النظراء وقيادات المؤسسات، في مسعى إلى التنسيق وتكامل الأدوار.

وهذه واحدة من علامات الإدارة التي تدرك أن العمل العام لا ينهض بالجهد المنفرد، وأن الملفات المتشابكة تحتاج إلى عقول تتبادل الرأي، ومؤسسات تتقاسم المسؤولية، ورؤى تلتقي عند مصلحة المجتمع.

فالثقافة تلتقي بالسياحة عند أبواب التراث، والإعلام يلتقي بالإنتاج عند قصص المزارعين والصناع، والمؤسسات تتقاطع حين تتحول الأفكار إلى برامج تحتاج إلى تنسيق وإمكانات وخبرات.

وفي هذا المعنى، يصبح اللقاء وسيلة لبناء الجسور، لا غاية في ذاته، وتصبح المصافحة بداية لطريق ينبغي أن تكتمل خطواته بالعمل المشترك والبرامج التي يشعر الناس بأثرها.

إن الولاية الشمالية، بما تمتلكه من إرث ثقافي وتاريخي ومقومات اقتصادية وسياحية، تحتاج إلى هذا النوع من التكامل الذي يجمع الإمكانات المتفرقة في صورة مشروع أوسع، ويمنح كل مؤسسة فرصة للإسهام بما لديها من معرفة وخبرة وقدرة.

حين يجد المجتهد من يقول له: أحسنت

وفي بيئة العمل، حيث تتراكم المسؤوليات وتتشابك التفاصيل اليومية، تظل الكلمة الطيبة والتقدير المنصف من أكثر الوسائل قدرة على بث الروح في النفوس.

ومن هذا المنطلق، جاء اهتمام بانقا بتحفيز المبرزين وتكريم أصحاب الجهود في المؤسسات الإعلامية، في رسالة تؤكد أن الإنسان هو جوهر أي عملية تطوير، وأن العمل المتميز يستحق أن يُرى ويُقدّر.

فالتكريم ليس مجرد لحظة احتفاء، بل اعتراف بأن وراء كل مادة إعلامية جهداً، ووراء كل برنامج وقتاً وخبرة، ووراء كل نجاح فريقاً يستحق أن يشعر بأن ما يقدمه ليس عملاً عابراً لا يلتفت إليه أحد.

وحين يجد العاملون مناخاً يقدّر الاجتهاد ويشجع المبادرة، يصبح الطريق مهيأً لروح أكثر إيجابية، ولمنافسة مهنية ترتكز على الجودة والإتقان.

وقد صاحب الحراك، بحسب ما يتردد في أوساط العاملين، تفاعل إيجابي داخل المجلس، وهو ما يضع أمام الإدارة مسؤولية المحافظة على هذه الروح، وتوسيع دائرة المشاركة، وترسيخ ثقافة التقدير العادل التي تجعل النجاح مسؤولية مشتركة.

فالمؤسسة التي تنصت إلى موظفيها، وتعترف بجهودهم، وتفتح أمامهم أبواب المبادرة، تكون أكثر قدرة على تجديد نفسها ومواجهة تحدياتها.

الخطة التي تبحث عن أفق أوسع

ولعل ما يمنح هذه التحركات أفقاً يتجاوز حدود الشهر الأول هو إعداد خطة عمل طموحة حظيت بإجازة مجلس حكومة الولاية.

فالعمل المؤسسي لا يكتمل بالحماس وحده، مهما كانت أهميته، بل يحتاج إلى رؤية تجمع المسارات المتعددة في اتجاه واضح، وتمنح المبادرات إطاراً تنتظم داخله، وتربط بين الفكرة والموارد والبرنامج والنتيجة.

ومن هنا تبرز أهمية الخطة المجازة؛ فهي تمثل محطة يمكن الانطلاق منها نحو تنظيم العمل، وتحديد الأولويات، وتوسيع الشراكات، وتطوير الأداء الثقافي والإعلامي بما يتناسب مع إمكانات الولاية واحتياجات مجتمعها.

والخطط الطموحة لا تُقاس بجمال عناوينها، بل بما تفتحه من أبواب أمام التنفيذ، وبقدرتها على تحويل الأهداف إلى برامج مستمرة، وعلى جعل المواطن شريكاً في نتائجها.

إنها مسؤولية المرحلة المقبلة، حيث ينتظر من الحراك أن يواصل سيره، ومن الأفكار أن تجد طريقها إلى الواقع، ومن الشعار أن يتحول إلى تجربة ملموسة تتراكم نتائجها مع الزمن.

زهير بانقا.. رهان على أن الحركة تصنع الفرق

بعد شهر من التكليف، لا تبدو الحكاية مجرد سلسلة من الزيارات واللقاءات والمبادرات؛ بل محاولة لفتح أكثر من نافذة في جدار العمل الثقافي والإعلامي، وإعادة وصل المؤسسة بالمبدع والمزارع والمواطن، وإعطاء الفكرة فرصة لتغادر الورق نحو الحياة.

في لقاء الأدباء والشعراء تتجلى قيمة الإنسان المبدع، وفي زيارة البرقيق يظهر وجه الإعلام الذي يقترب من الناس، وفي إذاعة المزارع تتقدم الكلمة نحو الحقل، وفي تأهيل المرافق تتوفر مساحة للعمل، وفي التنسيق المؤسسي تتشكل فرص التعاون، وفي التحفيز والتكريم تبرز أهمية الإنسان الذي يحمل المؤسسة على كتفيه.

أما الخطة التي نالت إجازة حكومة الولاية، فتفتح باباً أمام تحويل هذه المسارات إلى عمل أكثر انتظاماً واستدامة.

ولأن الشهر الأول لا يكفي للحكم النهائي على تجربة بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق المجلس، فإن الإنصاف يقتضي الاحتفاء بما بدأ، مع إبقاء العين مفتوحة على ما ينبغي أن يكتمل. فالمشروعات الكبيرة لا تُنجز في أيام، لكن بداياتها تكشف اتجاهها، والحركة تمنح الأمل حين تتبعها المثابرة والنتائج.

لقد منح زهير بانقا شعاره مساحة للحركة، وبدأ يطرق أبواباً متعددة في وقت واحد، مستنداً إلى فكرة تستحق أن تُمنح فرصتها: أن الثقافة ليست هامشاً في مشروع التنمية، وأن الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، وأن المؤسسات لا تستعيد عافيتها إلا حين يتحرك أهلها وتلتقي إرادتهم عند غاية مشتركة.

وفي ولاية تمتلك كل هذا الرصيد من التاريخ والإبداع والإنتاج، تبدو الحاجة ملحة إلى من يربط هذه العناصر بعضها ببعض، ويجعل من الثقافة جسراً إلى المجتمع، ومن الإعلام نافذة على المستقبل.

وهكذا ينتقل السؤال من "لماذا زهير بانقا؟" إلى سؤال أكثر اتساعاً: ماذا يمكن أن تصنع الإرادة حين تلتقي بالثقافة، وكيف يصبح الإعلام صوتاً للإنتاج، وتتحول المؤسسة من إدارة للأنشطة إلى مساحة تنبض بحياة الناس؟

ذلك هو الرهان الذي بدأت ملامحه تظهر في الشهر الأول، وتبقى قيمته الحقيقية في أن يستمر الحراك، وتتسع دوائره، وتترجم الرؤية إلى أثر يبقى في ذاكرة الولاية وأهلها.

شهر من التكليفزهير الطيب بانقاالولاية الشماليةالثقافة والإعلامإذاعة المزارعالتنمية والإنتاج

اقرأ أيضاً