جنيف – من على منبر قصر الأمم المتحدة في جنيف، أعلن وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم عن عودة 80% من المستشفيات والمرافق الصحية في السودان إلى العمل، وذلك في كلمته أمام الدورة التاسعة والسبعين لجمعية الصحة العالمية. التصريح، الذي حمله الوزير إلى المجتمع الدولي، لم يكن مجرد رقم في تقرير، بل شهادة على صمود القطاع الصحي السوداني في وجه أزمة هي الأعمق في تاريخه الحديث.

ماذا يعني الرقم 80% عملياً على الأرض؟
لفهم دلالة هذا الإنجاز، يجب تفكيك الرقم إلى واقع ملموس. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أخرجت مئات المرافق الصحية عن الخدمة. عودة 80% منها تعني عملياً:
- في العاصمة: استئناف العمل في مستشفيات رئيسية مثل الخرطوم التعليمي وأم درمان وبحري، مع عودة أقسام الطوارئ والعناية المركزة تدريجياً.
- في الولايات: عودة الخدمات في مستشفيات رئيسية بولايات الجزيرة، نهر النيل، القضارف، كسلا، والبحر الأحمر، والتي شكلت ملاذاً لملايين النازحين.
- في المناطق المتضررة: تشغيل مراكز الرعاية الأولية والعيادات المتنقلة لتغطية الاحتياجات العاجلة للسكان.
غير أن الوزير أقر بأن “عودة العمل” لا تعني الوصول للكفاءة الكاملة بعد، إذ لا يزال الكثير من هذه المؤسسات يعاني من نقص في الكوادر الطبية المتخصصة، وضعف في توفر الأدوية والمستلزمات، وحاجة ماسة لأعمال صيانة وتحديث شاملة. لكن الرقم يبقى دليلاً دامغاً على أن النظام الصحي لم ينهَر، وأن ثمة عملاً دؤوباً يُبذل لإبقائه واقفاً على قدميه.
أبرز تصريحات وزير الصحة السوداني في جنيف
في كلمته ولقاءاته، رسم الدكتور هيثم محمد إبراهيم خارطة طريق للتعافي الصحي، مركزاً على عدة محاور أساسية:
- إعادة بناء المؤسسات: الأولوية هي إعادة تأهيل المستشفيات المتضررة، مع التركيز على المناطق الأكثر احتياجاً والتي شهدت أكبر حركة نزوح.
- تأمين الإمدادات: تعمل الوزارة على تأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية عبر شراكات دولية ومحلية، مع خطة لإنشاء مخازن استراتيجية في عدة ولايات.
- دعم الكوادر الطبية: أكد الوزير أن تحسين أوضاع العاملين في القطاع الصحي وتوفير الحوافز والتدريب والبيئة الآمنة هو شرط أساسي لعودة الكوادر إلى مناطق عملهم.
- الشراكة مع المنظمات الدولية: دعا منظمة الصحة العالمية والمنظمات الأخرى إلى تكثيف وجودها في السودان، ليس فقط للإغاثة الطارئة، بل للمشاركة في التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
- الالتزام بأهداف التنمية المستدامة: جدد التأكيد على التزام السودان بالعمل مع المجتمع الدولي لتحقيق أهداف الصحة العامة، خاصة المتعلقة بخفض وفيات الأمهات والأطفال ومكافحة الأمراض المعدية.
مباحثات ثنائية: التعاون الصحي السوداني القطري في الواجهة
على هامش الاجتماعات، أجرى وزير الصحة السوداني لقاءات ثنائية مع عدد من نظرائه، كان أبرزها مع وزير الصحة العامة بدولة قطر. المباحثات وصفتها مصادر رسمية بأنها “إيجابية وبناءة”، وتناولت:
- دعم مشاريع إعادة تأهيل المستشفيات المتضررة.
- توفير أجهزة ومعدات طبية حديثة، خاصة للعناية المركزة.
- برامج تدريب مشتركة للكوادر الطبية السودانية في الدوحة.
- تنسيق المواقف في المحافل الصحية الدولية.
تعكس هذه المباحثات توجهاً نحو بناء شراكات استراتيجية مستدامة، حيث يمتلك السودان كفاءات طبية بشرية معروفة، وتوفر دول مثل قطر الإمكانيات المادية واللوجستية الداعمة.
التحديات الماثلة: الطريق نحو التعافي الكامل
رغم التفاؤل، يبقى الطريق نحو التعافي الكامل محفوفاً بتحديات رئيسية:
- فجوة التمويل: إعادة البناء تتطلب ميزانيات ضخمة، في ظل ضغوط اقتصادية كبيرة تعاني منها الدولة.
- هجرة الكوادر: لا يزال آلاف الأطباء والممرضين خارج البلاد، وإعادتهم تتطلب حوافز مالية وضمانات أمنية وسكن مناسب.
- ضعف البنية التحتية: بعض المستشفيات تعمل بأقل من 50% من طاقتها بسبب أضرار لحقت بالمباني وشبكات المياه والكهرباء.
- ضغط الأوبئة: تعمل المستشفيات تحت ضغط هائل بسبب تفشي أمراض متعددة، مما يستنزف الموارد المحدودة أصلاً.
الإقرار بهذه التحديات لا يقلل من الإنجاز، بل يضعه في سياقه الواقعي، ويؤكد أن الوصول إلى نسبة 100% سيتطلب استمرار الدعم الوطني والدولي بنفس الزخم.
رسالة أمل من جنيف إلى كل السودانيين
في المحصلة، كانت مشاركة السودان في الدورة 79 لجمعية الصحة العالمية محطة فارقة. فمن على منبر دولي رفيع، بعث وزير الصحة برسالة واضحة إلى السودانيين في الداخل والخارج، مفادها أن التعافي ممكن، وأن 80% من المستشفيات عادت للعمل، وأن الحكومة ماضية في طريق إعادة الإعمار.
إن قصة عودة المستشفيات السودانية للعمل هي في جوهرها قصة عن الصمود والإصرار. فالمستشفيات التي فتحت أبوابها من جديد لم تُبنَ بتمويل خارجي ضخم، بل بأيادٍ سودانية آمنت بأن صحة المواطن هي الأساس الذي تقوم عليه نهضة أي أمة. وبينما تبقى التحديات كبيرة، فإن ما تحقق حتى الآن يثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على صنع الفارق، وأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
الأسئلة الشائعة
كم نسبة المستشفيات التي عادت للعمل في السودان حالياً؟
أعلن وزير الصحة السوداني الدكتور هيثم محمد إبراهيم في جمعية الصحة العالمية بجنيف أن 80% من المستشفيات والمرافق الصحية في السودان عادت للعمل.
أين انعقدت الدورة 79 لجمعية الصحة العالمية؟
انعقدت الدورة التاسعة والسبعون لجمعية الصحة العالمية في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية.
مع من بحث وزير الصحة السوداني التعاون الصحي في جنيف؟
بحث وزير الصحة السوداني مع عدد من نظرائه، وأبرزهم وزير الصحة العامة بدولة قطر، فرص تعزيز التعاون الصحي ودعم مشاريع إعادة الإعمار.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي السوداني حالياً؟
أبرز التحديات تشمل نقص التمويل، هجرة الكوادر الطبية، ضعف البنية التحتية، واستمرار ضغط الأوبئة على المرافق الصحية.
متى بدأت الحرب التي أثرت على القطاع الصحي في السودان؟
اندلعت الحرب التي ألحقت أضراراً بالغة بالقطاع الصحي في السودان في أبريل 2023.
المصادر
- وزارة الصحة الاتحادية السودانية
- منظمة الصحة العالمية (WHO)
- اجتماعات جمعية الصحة العالمية – جنيف



