لم تعد قوات الدعم السريع مجرد فصيل مسلح يخوض حرباً ضد الدولة السودانية. لقد تحولت، كما يصفها المراقبون والمحللون السياسيون، إلى كيان عسكري وسياسي معقد، توسع مستنداً إلى النفوذ الاقتصادي والدعم الخارجي. لكن هذا الكيان الذي بدا متماسكاً في مراحل سابقة، يواجه اليوم تصدعاً داخلياً متزايداً، بعد أن فشل في تحقيق هدفه المعلن بالاستيلاء على السلطة. هذا التحقيق لا يكتفي برصد الانهيار، بل يعتمد على تحليلات سياسية ميدانية وشهادات قيادات محلية لتشخيص أسبابه الجوهرية.

تشريح الانهيار: لماذا تتصدع قوات الدعم السريع من الداخل؟
لفهم ظاهرة الانشقاقات المتتالية من صفوف الدعم السريع، يجب تجاوز التفسير السطحي القائل بأنها مجرد “انتصارات عسكرية للجيش”. الحقيقة أعمق، وهي أن التصدع ناتج عن تناقضات هيكلية في تركيبة القوات نفسها. يقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محي الدين محمد محي الدين في تصريحات خاصة لـ”برودكاست نيوز”، إن ظاهرة الانشقاقات “ليست غريبة، نسبة لتركيبة المليشيا المعقدة بشكل كبير”.
التحليل يكشف عن ثلاثة أسباب رئيسية متشابكة للانهيار الداخلي:
1. بنية أسرية مهيمنة وليست مشروعاً وطنياً
يكشف المحلل السياسي عن خلل بنيوي في تركيبة الدعم السريع: هيمنة الأسرة على القرار والمصير. ويشير إلى أن “الكيان في قوامه الأساسي يتشكل من أسرة دقلو، في مكون المهرية على وجه التحديد”. هذا يجعله، بحسب التحليل، أقرب إلى كيان تهيمن عليه البنية الأسرية منه إلى جيش بعقيدة وطنية. كل المجموعات والقبائل الأخرى التي انضمت إليه، جاءت بدوافع مختلفة: البعض لمكاسب شخصية، وآخرون لمطامع نفوذ وسلطة، وغيرهم جاءوا بغرض النهب، وفقاً للمحلل. هذا التحالف الهجين والمتناقض لا يمكنه الصمود في حرب طويلة الأمد. وعندما تجلت هذه الحقيقة للقادة الميدانيين، بدأ الهروب الجماعي.
2. توزيع غير عادل للموارد والامتيازات
أدلة رصدها محللون من مقاطع فيديو سجلها عناصر الدعم السريع أنفسهم، ونشرت على منصات التواصل الاجتماعي، تكشف تمركز السيطرة والقرار بيد أسرة دقلو. ويشير الدكتور محي الدين إلى أن “توزيع الامتيازات المالية والغذائية والعلاج والمعدات والأسلحة والسيارات محصور على الدائرة المقربة فقط”. أما بقية المقاتلين من القبائل الأخرى، فيواجهون مصيرهم وحدهم مع “المرض والجوع وعلاج إصابات المعارك”. هذا التفاوت في توزيع الموارد خلق حالة من التململ الواسع داخل الصفوف، وفتح الباب لمزيد من الانشقاقات والهروب.
3. صراع النفوذ القبلي والاختراق الاستخباراتي
الاختراق الحقيقي حدث، وفقاً للمحللين، عندما أدركت قيادات قبلية أن استمرار الحرب سيؤثر سلباً على أوضاع مجتمعاتها الداخلية. نقطة التحول الكبرى كانت الهجوم الذي شنته الدعم السريع على منطقة “مستريحة”، معقل قبيلة المحاميد. هذا الهجوم دفع قادة كباراً للانسلاخ، مثل النور القبة، الذي يوصف بأنه الرجل الثالث في ترتيب القيادات، والذي سلم نفسه للجيش بكامل قواته التي فاق عددها 180 مركبة بكامل عتادها. في مؤتمر صحفي بالخرطوم، صرح القبة: “جئنا بـ90% من المقاتلين وسنقاتل في صفوف الجيش ضد الدعم السريع”. القائد الميداني المعروف بـ”السافنا”، أحد أقدم القادة الميدانيين، انشق أيضاً لأسباب تتعلق بالتهميش والغبن، بحسب المصادر.
الدور الاستخباراتي: تفكيك صامت من الداخل
إلى جانب التناقضات الداخلية، كشف الدكتور محي الدين عن دور محوري للأجهزة الأمنية والعسكرية السودانية في تسريع عملية التفكك. الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة قامتا “بأدوار كبيرة في تفكيكها من الداخل”، بحسب وصفه. هذا العمل الاستخباراتي نجح في محاصرة قوات الدعم السريع دبلوماسياً في الخارج، واختراق صفوفها في الداخل، وتحييد المؤثرين فيها عسكرياً واجتماعياً. أحد أبرز عناصر هذا الاختراق كان إقناع قيادات قبلية بأن وجود مقاتلين أجانب من خارج السودان، تحديداً من جنوب السودان، يهدد وجود وبقاء كياناتها القبلية، خاصة في مناطق النزاع مثل أبيي.
شهادة من الداخل: تململ مجتمعي وفقدان للغطاء الاجتماعي
لا يقتصر الانهيار على الجبهات العسكرية. القيادي بإقليم دارفور، سيف الدين أدم صالح ضي النعيم، يكشف أن المجتمعات في مناطق انتشار الدعم السريع تعيش حالة من التململ. الطلاب حرموا من الامتحانات، التجار نهبت ممتلكاتهم، والمواطنون باتوا لا يستطيعون تأمين لقمة العيش. هذه الحالة من السخط الشعبي تخلق بيئة طاردة، وتفقد القوات أي غطاء اجتماعي قد تدعيه.
اتهامات بانتهاكات واسعة في تقارير دولية موثقة
على الرغم من النفوذ العسكري والاقتصادي الذي بنته قوات الدعم السريع، إلا أنها تواجه اتهامات جسيمة بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق. بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة للسودان التابعة للأمم المتحدة خلصت في فبراير 2026 إلى أن الأدلة تشير إلى أن الدعم السريع نفذ “حملة منسقة من الدمار ضد المجتمعات غير العربية في الفاشر وما حولها، تحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية” . كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استهدافاً ممنهجاً للمدنيين، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، أثناء وبعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025 . وفي يناير 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على خمسة من قادة الدعم السريع، من بينهم القوني حمدان دقلو، شقيق قائد القوات .
رد فعل الدعم السريع: أحكام غيابية تعكس حجم الأزمة
في رد فعل يعكس حجم الأزمة الداخلية، أصدرت قوات الدعم السريع أحكاماً وقرارات غيابية بحق المنشقين، منها التجريد من الرتب العسكرية والسجن والإعدام في بعض الحالات. هذا يُفسر من قبل المراقبين كاعتراف ضمني بحجم الخسائر. وفي محاولة لاحتواء الرواية، صرح القيادي بالدعم السريع، المك أبوشوتال، في تصريح لموقع “العرب”، بأن الانشقاقات تعود إلى “تقديرات شخصية وظروف فردية”، مشدداً على أنها “لا تؤثر على بنية المؤسسة العسكرية أو مشروعها السياسي والعسكري”.
مستقبل الأوضاع: المزيد من التصدع في الأفق
وختم الدكتور محي الدين محمد محي الدين تحليله بتأكيد أن “المؤشرات كلها تشير إلى أن الانسلاخات في صفوف القوات ستزيد خلال الفترة القادمة”. العامل الحاسم في تسريع هذا التصدع، بحسب المحللين، هو نجاح الأجهزة الأمنية والاستخبارية والدبلوماسية السودانية في محاصرة مصادر الدعم الخارجي. ويُعتقد أن تجفيف منابع الدعم الخارجي قد يكون أحد العوامل الرئيسية لتحقيق الاستقرار في السودان خلال الفترة القادمة.
أما سيف الدين أدم، فيؤكد أن “هناك مفاجآت كبيرة بانشقاق قيادات مجتمعية وعسكرية لها وزنها في القريب”، وأن هذه القيادات “تكشف لها زيف مشروع آل دقلو”. خروج هذه القيادات المنتظر، بحسب وصفه، “سيحدث زلزالاً في أركان مملكة آل دقلو”.
أسئلة شائعة حول انهيار قوات الدعم السريع – موثقة بمصادر دولية
1. ما هي الأسباب الرئيسية لتصدع قوات الدعم السريع من الداخل؟
بحسب تحليلات الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محي الدين محمد محي الدين، تتركز الأسباب في ثلاثة عوامل هيكلية متشابكة: أولاً، هيمنة البنية الأسرية لدقلو على القرار والموارد، مما حوّل القوات إلى كيان تقوده مصالح عائلية ضيقة. ثانياً، التوزيع غير العادل للموارد والامتيازات، حيث تنحصر المكاسب في الدائرة المقربة بينما يواجه بقية المقاتلين المرض والجوع. ثالثاً، صراع النفوذ القبلي، خاصة بعد الهجوم على معاقل قبيلة المحاميد، الذي دفع قادة كباراً مثل النور القبة للانشقاق.
2. ماذا تقول التقارير الدولية الموثقة عن انتهاكات الدعم السريع؟
اتُهمت قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق في تقارير موثقة صادرة عن منظمات دولية كبرى. بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة للسودان التابعة للأمم المتحدة خلصت في فبراير 2026 إلى أن الأدلة تشير إلى أن الدعم السريع نفذ “حملة منسقة من الدمار ضد المجتمعات غير العربية في الفاشر وما حولها، تحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية” . كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استهدافاً ممنهجاً للمدنيين، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، أثناء وبعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025 .
3. هل فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على قادة الدعم السريع؟
نعم. في يناير 2026، تبنى مجلس الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات ضد سبعة أفراد بسبب “التصعيد الكبير للعنف” في السودان. وشملت العقوبات خمسة أفراد من قوات الدعم السريع، من بينهم القوني حمدان دقلو، شقيق قائد الدعم السريع، بالإضافة إلى قادة ميدانيين آخرين . وتضمنت العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي.
4. ماذا كشفت تحقيقات الأمم المتحدة عن أحداث الفاشر؟
أصدرت بعثة تقصي الحقائق الدولية تقريراً بعنوان “السمات المميزة للإبادة الجماعية في الفاشر” في فبراير 2026. وخلص التقرير إلى أن “النية للإبادة الجماعية هي الاستنتاج المنطقي الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط الممنهج لعمليات القتل ذات الدوافع العرقية، والعنف الجنسي، والتدمير، والتصريحات العلنية التي تدعو صراحة إلى القضاء على المجتمعات غير العربية، لا سيما الزغاوة والفور” . وأكد التقرير أن الحصار الذي دام 18 شهراً تسبب في تجويع السكان وإضعافهم قبل الهجوم النهائي.
5. كيف وثقت هيومن رايتس ووتش استهداف المدنيين في الفاشر؟
أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع 22 من الناجين والشهود من الفاشر بين ديسمبر 2025 وفبراير 2026، بالإضافة إلى ثمانية ناشطين في مجال حقوق ذوي الإعاقة . وكشفت التحقيقات أن قوات الدعم السريع استهدفت الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل خاص، واتهمتهم بأنهم مقاتلون مصابون وأعدمتهم بإجراءات موجزة. كما وثقت المنظمة حالات تعذيب ومعاملة مهينة وابتزاز.
6. من هم أبرز القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع مؤخراً؟
من أبرز الأسماء التي تصدرت المشهد: النور القبة، الذي يُوصف بأنه الرجل الثالث في ترتيب القيادات، والذي سلّم نفسه للجيش السوداني بكامل قواته التي تجاوزت 180 مركبة عسكرية. كما برز اسم القائد الميداني “السافنا”، أحد أقدم القادة الميدانيين، والذي انشق لأسباب تتعلق بالتهميش والغبن. بالإضافة إلى إسماعيل محمد يوسف، أمير قبيلة المسيرية والبرلماني السابق، الذي عاد إلى الخرطوم من صفوف الدعم السريع.
7. كيف تتعامل قيادة الدعم السريع مع الانشقاقات المتزايدة؟
في رد فعل يعكس حجم الأزمة، أصدرت القيادة أحكاماً غيابية بحق المنشقين، منها التجريد من الرتب العسكرية، والسجن، والإعدام في بعض الحالات. وفي محاولة لاحتواء الرواية إعلامياً، صرّح القيادي المك أبوشوتال لموقع “العرب” بأن الانشقاقات تعود إلى “تقديرات شخصية وظروف فردية”، نافياً تأثيرها على بنية المؤسسة العسكرية. لكن المراقبين يرون في هذا التصريح محاولة لتقليل حجم الكارثة الداخلية.
8. ما هو مستقبل الدعم السريع في ظل التصدع الحالي؟
بحسب تحليل الدكتور محي الدين، “المؤشرات كلها تشير إلى أن الانسلاخات ستزيد خلال الفترة القادمة”. العامل الحاسم هو مدى استمرار الدعم الخارجي الذي نجحت الأجهزة السودانية في محاصرته. أما القيادي سيف الدين أدم، فيتوقع “مفاجآت كبيرة” بانشقاق قيادات مجتمعية وعسكرية “لها وزنها”، مؤكداً أن هذا الخروج “سيحدث زلزالاً في أركان مملكة آل دقلو”.
الخاتمة: نهاية كيان قائم على التناقضات
قصة تصدع قوات الدعم السريع ليست مجرد تطور عسكري في مسار الحرب، بل هي نموذج لكيف أن الكيانات المسلحة المبنية على تحالفات قبلية هشة واحتكار أسري للموارد تحمل بذور فنائها في داخلها. الكيان الذي توسع مستنداً إلى النفوذ الاقتصادي والدعم الخارجي، يواجه اليوم تفككاً داخلياً ليس فقط بفعل الضغوط العسكرية، بل بفعل تناقضاته البنيوية. ومع كل انشقاق جديد، وكل تقرير دولي يوثق الانتهاكات، وكل عقوبة تفرضها العواصم الكبرى، يتأكد أن استمرار هكذا كيان مرهون بعوامل خارجية قد تتغير، وأن مصيره الداخلي قد يكون هو العامل الحاسم في رسم مستقبل النزاع في السودان.
مراجع موثقة:
- تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة للسودان: “السمات المميزة للإبادة الجماعية في الفاشر” (فبراير 2026) – مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
- تقرير هيومن رايتس ووتش: “السودان: الأشخاص ذوو الإعاقة مستهدفون في شمال دارفور” (فبراير 2026) – Human Rights Watch
- بيان مجلس الاتحاد الأوروبي: “حرب السودان – الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على 5 من قوات الدعم السريع وعضوين من القوات المسلحة” (يناير 2026)



