السودان وروسيا: لماذا يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي؟
في الرابع والعشرين من فبراير 2025، وخلال زيارة لوزير الخارجية السوداني علي يوسف إلى موسكو، صرّح المسؤول السوداني بأن “جميع القضايا بين البلدين تم الاتفاق عليها بشكل كامل” فيما يخص إنشاء قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر. هذا التصريح لم يكن ليخرج لولا سنوات من التفاوض المتقطع، والحرب المستعرة، وتغيّر موازين القوى داخل السودان.
لم يعد السودان مجرد دولة تعيش اضطرابات داخلية، بل تحول إلى “قلب الجغرافيا السياسية” في أفريقيا. فموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية الهائلة، جعلاه اللحمة التي تتنافس عليها القوى الكبرى. ويرى مراقبون أن تكرار هذا التنافس الدولي على السودان يعيد إلى الأذهان فترات الصراع على النفوذ في القرن الأفريقي خلال الحرب الباردة.
موقع السودان: المفتاح الذهبي للتجارة العالمية
قبل الغوص في الأسباب السياسية والعسكرية، لا بد من فهم جوهر اللعبة: الجغرافيا.
يمتلك السودان واحداً من أهم المواقع في العالم. فالدولة تطل على البحر الأحمر عبر ساحل يمتد لنحو 850 كيلومتراً، وهو بذلك من أطول السواحل المطلة على هذا الممر المائي الحيوي. يقع هذا الساحل على مقربة شديدة من مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 30 كيلومتراً عند أضيق نقطة فيه.
وفقاً لبيانات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، تمر عبر هذا المضيق سفن تحمل حوالي 10% إلى 12% من التجارة البحرية العالمية، ونحو 7% من إجمالي النفط الخام والمنتجات البترولية المنقولة بحراً في العالم. أي أن ما يقرب من 6.2 مليون برميل نفط يومياً تعبر هذا الممر.
هذا الموقع يمنح من يسيطر عليه نفوذاً مباشراً على ثلاثة محاور جيوسياسية حاسمة:
- شمال أفريقيا والصحراء الكبرى: بوابة العبور البرية التي تربط دول المغرب العربي ومصر بدول وسط وغرب أفريقيا.
- القرن الأفريقي: حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية في جيبوتي، وصينية في جيبوتي أيضاً، وتركية في الصومال.
- قناة السويس: الشريان الحيوي الذي يربط أوروبا بآسيا، حيث يُعتبر الساحل السوداني خط الدفاع الجنوبي الأول عن الملاحة المتجهة إلى القناة.
إضافة إلى الموقع، يتمتع السودان بثروات استراتيجية طبيعية هائلة. فهو ليس فقط بلداً زراعياً شاسعاً يرويه نهر النيل، بل يمتلك احتياطيات من النفط والغاز، وثروة حيوانية ضخمة، مما يجعله “جائزة” جيوسياسية واقتصادية كبرى.
لماذا تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في السودان؟ تحليل الأهداف الاستراتيجية
وفقاً لتحليلات مراكز أبحاث دولية مثل مركز كارنيغي للسلام الدولي وتشاتام هاوس، فإن الاهتمام الروسي بالسودان ليس عشوائياً، بل يقوم على استراتيجية متكاملة ذات ثلاثة محاور رئيسية:
1. قاعدة بورتسودان العسكرية: بنود الاتفاقية الكاملة
هذا هو الهدف الأبرز والأكثر وضوحاً. في عام 2020، وقّعت موسكو والخرطوم اتفاقية لإنشاء “مركز لوجستي بحري” في ميناء بورتسودان. وبعد سنوات من التذبذب، عادت المفاوضات لتكتسب زخماً كبيراً مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وبحسب الوثائق التي اطّلعت عليها وكالة أسوشيتد برس (AP) وتقارير BBC Arabic، فإن بنود الاتفاقية تتضمن:
- مدة الاتفاق: 25 عاماً قابلة للتجديد تلقائياً لمدة 10 سنوات إضافية إذا لم يعترض أي طرف.
- عدد الأفراد: يسمح بوجود ما يصل إلى 300 فرد من العسكريين والمدنيين الروس في القاعدة.
- القدرات البحرية: السماح برسو ما يصل إلى 4 سفن حربية روسية في آن واحد، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية، وهو ما يمنح أسطول البحر الأسود الروسي قدرة دائمة على العمل في المياه الدافئة.
- السيادة: الأرض التي ستُبنى عليها القاعدة ستكون تحت سيطرة روسيا لمدة الاتفاق، وهو بند مثير للجدل يشبه إلى حد كبير اتفاقية تأجير الأراضي.
- التسليح: يحق لروسيا جلب ونشر أسلحة ومعدات عسكرية لحماية القاعدة.
هذه القاعدة، في حال تشغيلها بالكامل، ستمنح موسكو قدرة على مراقبة مضيق باب المندب وقناة السويس، وتكسر فعلياً طوق احتواء حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البحر الأسود.
2. الذهب: الاقتصاد السري الموازي
السودان هو ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، بعد غانا وجنوب أفريقيا. وتشير بيانات رسمية سودانية إلى أن الإنتاج بلغ حوالي 93 طناً في عام 2022، لكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن الرقم الحقيقي قد يتجاوز ذلك بكثير بسبب التهريب.
هذا الذهب يمثل موردًا حيويًا للاقتصاد الروسي، خاصة في ظل العقوبات الغربية المشددة التي فُرضت بعد حرب أوكرانيا في فبراير 2022. فروسيا تحتاج إلى الذهب لعدة أسباب:
- الالتفاف على العقوبات المالية: الذهب المادي يمكن نقله جواً وتهريبه، ولا يمكن تجميده مثل الأصول المصرفية.
- دعم الروبل الروسي: البنك المركزي الروسي يستخدم احتياطيات الذهب لدعم عملته الوطنية.
- تمويل العمليات العسكرية: الذهب يوفّر تدفقاً نقدياً يصعب تتبعه.
ارتبط الاسم الروسي بالذهب السوداني عبر مجموعة “فاغنر” العسكرية الخاصة، التي أسسها يفغيني بريغوجين (الذي قُتل في حادث طائرة في أغسطس 2023). ووفقاً لتقارير استقصائية نشرتها رويترز وصحيفة فاينانشيال تايمز، فقد أنشأت المجموعة شبكة من الشركات الواجهة للسيطرة على مناجم الذهب في مناطق مختلفة من السودان، أبرزها في جبل عامر بولاية شمال دارفور. وكانت الصفقة بسيطة: “خدمات أمنية وتدريب عسكري مقابل امتيازات تعدين الذهب”. وبعد مقتل بريغوجين، أعادت موسكو هيكلة المجموعة تحت مسمى “جيش أفريقيا” وأصبحت تتبع وزارة الدفاع الروسية مباشرة، مما يعني أن الدولة الروسية أصبحت الآن المشرف الرسمي على هذه العمليات.
3. لعبة الشطرنج الجيوسياسية: المواجهة مع الغرب
من خلال وجودها في السودان، تعزز روسيا نفوذها في منطقة ذات أهمية استراتيجية حيوية للغرب. هذا الوجود يخدم عدة أهداف جيوسياسية عليا:
- محاصرة النفوذ الغربي: الوجود الروسي على البحر الأحمر يطوّق المصالح الغربية من الجنوب، ويخلق منطقة تنافس دائمة تجبر واشنطن وحلفاءها على استنزاف الموارد.
- السيطرة على ممرات الطاقة: التواجد قرب مضيق باب المندب يمنح روسيا القدرة على التلويح بورقة تهديد أمن إمدادات الطاقة العالمية. في أي مواجهة مستقبلية، يمكن لموسكو أن تهدد بشكل غير مباشر الملاحة في الممر، مما يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط والتأمين البحري.
- تقديم نموذج بديل: تسوّق روسيا نفسها كحليف لا يملي شروطاً تتعلق بالحوكمة أو حقوق الإنسان، بل يقدم صفقات مباشرة: الأمن مقابل الموارد. هذا النموذج جذاب لبعض الحكومات التي تشعر بضغوط غربية.
الحرب السودانية: كيف غيّرت قواعد اللعبة؟
في 15 أبريل 2023، اندلع القتال بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). ما بدأ كصراع على السلطة سرعان ما تحول إلى حرب إقليمية بالوكالة، كشفت عنها تقارير الجزيرة وBBC:
- روسيا: انتهجت في البداية سياسة “اللعب على الحصانين”، حيث كانت تربطها علاقات مع قوات الدعم السريع عبر فاغنر، ومع المؤسسة العسكرية عبر الاتفاقيات الرسمية. لكن مع مرور الوقت، وتحتاجها لتمرير اتفاقية القاعدة البحرية، أصبحت موسكو أقرب إلى الجيش السوداني والسلطة القائمة في بورتسودان.
- الولايات المتحدة والغرب: يسعون لمنع قيام قاعدة روسية دائمة، ويدفعون باتجاه حل دبلوماسي عبر منبر جدة. لكن نفوذهم الفعلي على الأرض تضاءل بشكل كبير، وهو ما أكدته تقارير مجموعة الأزمات الدولية.
- القوى الإقليمية: الإمارات، بحسب تقارير أممية، تُتهم بدعم قوات الدعم السريع لوجستياً لضمان نفوذها الاقتصادي. مصر تدعم الجيش السوداني بشكل أساسي لدوافع أمن قومي تتعلق بمياه النيل والحدود. السعودية تلعب دور الوسيط لحماية “رؤية 2030” التي تعتمد على استقرار البحر الأحمر.
البحر الأحمر: أكثر من مجرد ممر مائي
إن البحر الأحمر ليس مجرد نقطة على الخريطة. أهميته تتجاوز بكثير فكرة الممر المائي. وفقاً لتقارير متخصصة، السيطرة على ضفافه تعني السيطرة على ثلاثة أشياء حيوية للاقتصاد العالمي:
- شريان الطاقة: يمر عبره ما يقارب 10% من إجمالي شحنات النفط والغاز المسال العالمية. أي اضطراب يؤدي فوراً إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما شاهده العالم في أزمة الحوثيين في البحر الأحمر أواخر 2023.
- الجهاز العصبي للإنترنت: يمتد في قاع البحر الأحمر عدد هائل من كابلات الألياف الضوئية التي تنقل ما يزيد عن 90% من حركة الإنترنت بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. هذه الكابلات هي العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، وتأمينها مسألة أمن قومي.
- التجارة العالمية: هو المسار الأسرع للتجارة بين الشرق والغرب. أي بديل (مثل طريق رأس الرجاء الصالح) يضيف 10 أيام على الأقل للرحلة ويزيد التكاليف بملايين الدولارات.
الخاتمة: الكنز الذي يلتهم أصحابه
يقف السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي. موقعه وثرواته جعلاه محط أنظار العالم، لكن هذه الأنظار لم تجلب سوى الحروب بالوكالة والتنافس المحموم. القوى الكبرى، وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة، ترى في السودان مجرد رقعة على رقعة الشطرنج الجيوسياسية.
مستقبل السودان لن يتحدد بعمق الميناء الذي سيُبنى في بورتسودان، ولا بعدد الأطنان المستخرجة من ذهب جبل عامر. سيتحدد بشكل جوهري بقدرة السودانيين أنفسهم على إدراك أن بلدهم لا يمكن أن ينهض إلا إذا تحول من ساحة للصراع إلى شريك في صنع القرار. الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي ليسا مجرد شعارات، بل هما الشرط الوحيد لتحويل هذا “الكنز الجيوسياسي” من لعنة إلى نعمة.
أسئلة شائعة حول التنافس الدولي على السودان
لماذا تهتم روسيا بالسودان تحديداً دون غيره من دول أفريقيا؟
السودان يجمع بين عاملين لا يتوفران معاً في دول أخرى: موقع بحري استراتيجي فريد على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وثروة هائلة من الذهب. إضافة إلى أن حالة عدم الاستقرار السياسي فيه تمنح روسيا هامشاً أوسع للتحرك وعقد صفقات مباشرة بعيداً عن الضغوط الغربية.
ما هي بنود اتفاقية القاعدة البحرية الروسية في بورتسودان بالتفصيل؟
الاتفاقية تنص على: مدة 25 سنة قابلة للتجديد، وجود 300 فرد عسكري ومدني روسي، رسو حتى 4 سفن حربية نووية، وسيطرة روسيا على أرض القاعدة. وهي تمنح روسيا موطئ قدم دائم في المياه الدافئة.
ما أهمية البحر الأحمر للاقتصاد العالمي؟
البحر الأحمر هو شريان حيوي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، وحوالي 7% من إمدادات النفط المنقولة بحراً، بالإضافة إلى كابلات إنترنت تحت الماء تنقل قرابة 90% من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا.
كيف يؤثر الذهب في الصراع السوداني؟
يمثل الذهب مصدر التمويل الأساسي لطرفي الصراع، كما تجذبت مناجمه أطرافاً دولية مثل مجموعة فاغنر الروسية السابقة التي كانت تقايض خدماتها الأمنية بامتيازات التعدين، مما يطيل أمد الحرب.
المصادر والمراجع
تم الاعتماد في هذا المقال على بيانات وتقارير من:
- رويترز (Reuters): تقارير استقصائية حول أنشطة مجموعة فاغنر في تعدين الذهب بالسودان.
- بي بي سي عربي (BBC Arabic): تغطية تطورات الصراع المسلح والمواقف الدولية.
- أسوشيتد برس (AP News): تفاصيل بنود اتفاقية القاعدة البحرية بين السودان وروسيا.
- الجزيرة (Al Jazeera): تحليلات جيوسياسية حول صراع النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
- مركز كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment): دراسات استراتيجية حول تمدد النفوذ الروسي والصيني في أفريقيا.
- وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA): بيانات مرور النفط عبر مضيق باب المندب.
- مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group): تقارير تحليلية حول الحرب السودانية وتداعياتها الإقليمية.



