“لم نعد نسأل ماذا سنأكل.. بل من سيأكل”

عندما تطالع عناوين الأخبار القادمة من السودان في ربيع 2026، قد يخيل إليك أنك تقرأ تقريرًا عن مجاعة في العصور الوسطى. أرقام صادمة: 19.5 مليون جائع، 825 ألف طفل على حافة الموت جوعًا، و14 منطقة على شفا المجاعة المباشرة.
لكن التوقف عند هذه الأرقام كمجرد “كارثة إنسانية” هو تبسيط مخلّ لقضية معقدة. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح على أي قارئ ذكي هو: كيف يمكن لدولة كانت تُعرف بسلة غذاء العالم العربي، وتمتلك من الموارد المائية والأرض الخصبة ما يكفي لإطعام ضعف سكانها، أن تصل إلى هذا القاع؟ الإجابة ليست في نقص الغذاء، بل في انهيار “نظام الغذاء” بأكمله. هذا التحقيق يشرح الأسباب الهيكلية العميقة للأزمة، متجاوزًا السطح الإعلامي المعتاد.
أولاً: تشريح الأزمة – ما وراء الرقم 19.5 مليون
لفهم الحجم الحقيقي للكارثة، يجب تفكيك الرقم الكبير إلى مكوناته البشرية. حسب أحدث تقارير مايو 2026، لا يعاني جميع الـ19.5 مليون شخص من الجوع بالطريقة نفسها. هناك تدرج خطير:
- المرحلة الثالثة (أزمة): غالبية هذا الرقم يقع هنا. هؤلاء أناس اضطروا لبيع ممتلكاتهم، من ذهب النساء إلى أثاث المنزل، فقط لشراء وجبة واحدة يوميًا. هم ليسوا جائعين بالمفهوم المطلق، لكنهم في حالة انعدام أمن غذائي حاد تجعلهم على بعد خطوة واحدة من الكارثة إذا حدث أي طارئ، كارتفاع مفاجئ في الأسعار أو مرض أحد أفراد الأسرة.
- المرحلة الرابعة (طوارئ): هنا يعيش 3.5 مليون شخص. هؤلاء بدأوا بالفعل في تخطي الوجبات لأيام كاملة. معدلات سوء التغذية الحاد بين أطفالهم مرتفعة بشكل مخيف. هم من نراهم في مخيمات النزوح، يعتمدون كليًا على ما تجود به مطابخ الإغاثة التي تواجه هي نفسها خطر الإغلاق.
- المرحلة الخامسة (كارثة/مجاعة): 135 ألف شخص يعيشون هذا الجحيم الآن، في جيوب معزولة بدارفور وجنوب كردفان. هنا، لم يعد الأمر نقصًا في الطعام، بل انعدامًا تامًا له. الناس يموتون فعليًا من الجوع، والأطفال يصبحون هياكل عظمية. هذا الرقم ليس كبيرًا مقارنة بالملايين، لكنه الناقوس الذي ينذر بأن المجاعة لم تعد احتمالًا، بل واقعًا في مناطق محددة.
هذا التدرج مهم جدًا لفهم القصة. فالأزمة ليست مجرد نقص في الغذاء، بل هي عملية تآكل بطيء وممنهج لقدرة الإنسان على الصمود، تدفع الناس من حالة اكتفاء هش إلى حافة الموت جوعًا.
ثانيًا: لماذا لا يوجد طعام؟ قصة انهيار نظام، لا نقص محصول
هنا يكمن قلب التحليل الذكي الذي يتجاوز التفسير السطحي. لو كان سبب الجوع هو الجفاف فقط، لكانت الأزمة مفهومة ومحدودة. لكن الحقيقة أن السودان يمر بانهيار كامل لسلسلة الإمداد الغذائي، لأسباب بعضها واضح وبعضها خفي.
1. لعنة الجغرافيا والإنتاج: حين تصبح المسافة قاتلة
في الاقتصاد الطبيعي، ينتقل الغذاء من مناطق الفائض إلى مناطق العجز عبر شبكات طرق وأسواق. الحرب دمرت هذه الشبكة تمامًا. فولاية الجزيرة، التي كانت تنتج 70% من احتياجات البلاد من القمح والخضروات، أصبحت ساحة معركة. الطرق التي تربطها بدارفور في الغرب أو كردفان في الجنوب أصبحت إما مدمرة أو خاضعة لسيطرة مليشيات تفرض “إتاوات” (جبايات) على كل شاحنة تمر. سائق شاحنة ينقل الذرة من القضارف إلى نيالا كان يحتاج 4 أيام قبل الحرب، بينما يحتاج اليوم إلى 20 يومًا، إذا وصل أصلًا. هذا الانهيار اللوجستي يعني أن الطعام قد يكون موجودًا في مكان ما، لكنه لا يصل إلى المكان الذي يحتاجه. إنها مجاعة بسبب “كفاءة السوق” المنهارة، وليس بالضرورة نقص الإنتاج المطلق.
2. الاقتصاد المفقود: عندما تموت القدرة الشرائية
حتى لو وصل الطعام إلى الأسواق المحلية، فإن السوداني العادي لم يعد قادرًا على شرائه. هذه النقطة كثيرًا ما يتم تجاهلها لصالح الصور الدرامية للجوع، لكنها جوهرية. الجنيه السوداني فقد أكثر من 90% من قيمته. التضخم يتجاوز 300% رسميًا، والواقع قد يكون أسوأ. الرواتب، إن وجدت، لم تعد تساوي شيئًا. موظف حكومي كان راتبه قبل الحرب يشتري احتياجات أسرته الشهرية كاملة، أصبح راتبه اليوم بالكاد يشتري كيس سكر واحد. هنا تحدث مفارقة مأساوية: قد تجد الخضروات واللحوم في سوق بورتسودان أو عطبرة، لكنها معروضة للبيع وليس للشراء. السوق تعمل، لكن الطلب مات. الناس أصبحوا خارج المنظومة الاقتصادية تمامًا. إنها مجاعة بسبب انعدام الدخل، لا انعدام السلع.
3. سلاح الحرب الأكثر فتكًا: التجويع كاستراتيجية عسكرية
هذا هو الجانب الأكثر قتامة، والذي تلمح إليه تقارير الأمم المتحدة بحذر دبلوماسي. في هذا النزاع، تم استهداف كل ما ينتج أو يخزن الطعام بشكل ممنهج. المصانع الغذائية في الخرطوم بحري نُهبت وحُولت إلى ثكنات عسكرية. مخازن برنامج الغذاء العالمي التي كانت تحتوي على ما يكفي 4.4 مليون شخص سُرقت بالكامل. مزارعو ولاية الجزيرة يروون قصصًا متطابقة: مجموعات مسلحة تأتي وقت الحصاد، وتأخذ المحصول كله تحت تهديد السلاح. وفي مناطق الحصار، كما في جنوب كردفان، يُمنع دخول الغذاء والدواء لأسابيع وشهور. الهدف ليس فقط إضعاف العدو عسكريًا، بل تجويع السكان لدفعهم للاستسلام أو التهجير. هذا ليس أثرًا جانبيًا للحرب، بل هو أحد أدواتها الرئيسية.
4. تآكل الصمود: حين ينفد المخزون الاحتياطي
المجتمعات الريفية السودانية لديها تقليديًا آليات صمود مذهلة. الأسر تخزن حبوب الموسم في مطامير (حفر تخزين تحت الأرض)، وتعتمد على الماشية كبنك حي للطوارئ، وشبكات الأقارب توفر شبكة أمان اجتماعي. الحرب استنزفت كل هذه الآليات. المطامير فُرغت وأُحرقت. الماشية نُهبت أو نفق. والأهم، أن كل أسرة في القبيلة أصبحت محتاجة في الوقت نفسه، فانهارت منظومة التكافل الاجتماعي. عندما يسألك ابن عمك قرضًا، تقرضه. لكن عندما يأتيك هو وكل أبناء عمومتك في اليوم نفسه، فأنت محتاج مثلهم. هذا الانهيار في “رأس المال الاجتماعي” هو الذي يفسر لماذا انهار الأمن الغذائي بهذه السرعة.
ثالثًا: الأطفال وحرب التغذية – جيل كامل في خطر
في تقارير مايو 2026، يبرز رقم مرعب: 825 ألف طفل دون الخامسة متوقع إصابتهم بسوء تغذية حاد وخيم. هذا الرقم ليس مجرد نقطة بيانات، بل هو حكم على مستقبل البلاد.
الطفل الذي يعاني من سوء التغذية الحاد في سن الثانية لا يموت فقط، بل حتى لو نجا، فإن قدراته الذهنية والجسدية تتضرر بشكل دائم. هذا ما يسميه العلماء “التقزم”. جيل كامل من الأطفال قد ينشأ بقدرات عقلية أقل من المعدل الطبيعي، مما يعني إنتاجية أقل، وقدرة أقل على التعلم والابتكار، وبالتالي اقتصادًا أضعف لعقود قادمة. إنها جريمة مركبة: القتل الحالي للأطفال جوعًا، وتدمير مستقبل من ينجو منهم.
المفارقة الأكثر إيلامًا هي أن علاج سوء التغذية الحاد رخيص ومتاح تقنيًا. عبوة من الغذاء العلاجي الجاهز (بلومي نت) تكلف أقل من دولار واحد، وتحتاج لأسابيع قليلة لإنقاذ طفل من الموت. لكن بسبب انعدام الوصول الآمن للمنظمات الإنسانية وانهيار النظام الصحي (40% من المرافق معطلة)، يموت أطفال بسبب “فشل لوجستي” يمكن تجنبه تمامًا.
رابعًا: خريطة الجوع – مناطق الخطر القصوى
لفهم الأزمة، من المفيد رسم خريطة ذهنية للمناطق الأكثر تضررًا، فالأمر ليس متساويًا في كل السودان:
- شمال دارفور (الفاشر ومحيطها): تعيش تحت حصار بري منذ أشهر. لا تدخلها أي مساعدات إنسانية. مخيم زمزم، الذي يأوي أكثر من 500 ألف نازح، تحول إلى سجن مفتوح يموت فيه الناس جوعًا وبطءً. هذه هي المنطقة التي أُعلنت فيها ظروف المجاعة لأول مرة في أغسطس 2024، ولا تزال تدفع الثمن.
- جنوب كردفان (مناطق جبال النوبة): حصار مزدوج من الجيش والدعم السريع. الزراعة مستحيلة بسبب القصف العشوائي. الناس يأكلون أوراق الشجر والجذور. آخر قافلة مساعدات دخلت المنطقة كانت قبل ستة أشهر.
- ولاية الخرطوم: على النقيض، ليست مجاعة بالمعنى التقليدي، بل انهيار كامل للقدرة الشرائية. الغذاء موجود لكنه بأسعار خيالية. سكان الأحياء الشعبية في أم درمان وجنوب الحزام يعيشون على وجبة واحدة من الكسرة والملاح البامية دون زيت.
- ولاية الجزيرة: بعد سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة، توقفت الزراعة التجارية. مصانع تعليب الخضروات والسكر دُمرت. المزارعون الذين كانوا يوظفون عمالًا موسميين من كل السودان أصبحوا الآن نازحين في المخيمات.
خامسًا: من يتحرك؟ تشريح الاستجابة الدولية وعجزها
أنشأ العالم نظامًا إنسانيًا معقدًا ومكلفًا للاستجابة لمثل هذه الكوارث. لكن في حالة السودان، يكشف هذا النظام عن فشل عميق. خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، التي تطلب 4.2 مليار دولار، لم يجمع منها سوى 20%. المقارنة مع أوكرانيا صارخة ومؤلمة للسودانيين: هناك، تتدفق المليارات لأسباب جيوسياسية، بينما هنا، يُترك المدنيون لمواجهة مصيرهم.
السبب ليس فقط “تعب المانحين”، بل أيضًا صعوبة العمل في بيئة الحرب. طرفا النزاع يفرضان بيروقراطية قاتلة على العمل الإنساني. تصاريح السفر من بورتسويسرا (حيث مقر الحكومة) تستغرق أسابيع. نقاط التفتيش التابعة للدعم السريع تفرض ضرائب على شاحنات المساعدات. والنتيجة أنه في الوقت الذي يحتاج فيه 21 مليون شخص للمساعدة، لا تصل المساعدات إلا لجزء ضئيل منهم، وببطء يجعلها أحيانًا عديمة الجدوى.
الخاتمة: اختبار للإنسانية يتجاوز الغذاء
في النهاية، قصة الجوع في السودان ليست قصة طبيعة شحيحة أو سماء بخيلة، بل هي قصة سياسة واقتصاد وحرب. إنها انهيار ممنهج لنظام معقد، يدفع ثمنه أبسط الناس وأكثرهم براءة. عندما تقول الأم في دارفور “لم نعد نسأل ماذا سنأكل، بل من سيأكل”، فهي لا تطرح سؤالاً عن القوت، بل تطرح سؤالاً وجوديًا عن قيمة الحياة في عالم يبدو أنه تخلى عنهم.
هل يمكن وقف هذه الكارثة؟ الإجابة التقنية: نعم، بالسماح بوصول المساعدات، ووقف استهداف المدنيين، وضخ تمويل عاجل. لكن الإجابة الحقيقية معقدة، لأنها تتطلب إرادة سياسية من أطراف الحرب لا تملكها حاليًا، واهتمامًا دوليًا لم يُظهره العالم بعد. وحتى ذلك الحين، سيبقى السودان ينتظر، وسيبقى أطفاله يموتون بصمت، في واحدة من أكبر فضائح القرن الحادي والعشرين.
ما سبب المجاعة في السودان؟
الحرب المستمرة وانهيار الاقتصاد وتعطل الزراعة والنزوح الجماعي من أبرز أسباب المجاعة في السودان.
كم عدد المتضررين من الجوع في السودان؟
وفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 19.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
هل السودان يواجه مجاعة حقيقية؟
نعم، 14 منطقة تواجه خطر المجاعة المباشر خصوصًا في دارفور وجنوب كردفان.
محمد الحسيني — مؤسس ورئيس تحرير Brodcast News، مهتم بتغطية الشؤون السودانية والأزمات الإنسانية والتحليل السياسي.



