مسيّرات تستهدف كهرباء الدبة وأبو حمد.. أين الموقف العربي والدولي؟

الخرطوم - برودكاست نيوز
في تصعيد جديد يستهدف البنية التحتية والمنشآت الحيوية في السودان، تعرضت محطتا الكهرباء في مدينتي الدبة بالولاية الشمالية وأبو حمد بولاية نهر النيل، صباح الأحد، لهجمات بطائرات مسيّرة، في تطور يعيد تسليط الضوء على اتساع دائرة الاستهداف التي طالت خلال الفترة الماضية مرافق الطاقة والخدمات الأساسية في البلاد.
وبحسب المعلومات الأولية المتداولة، استهدفت المسيّرات محطة الكهرباء بمدينة الدبة، بالتزامن مع استهداف محطة الكهرباء التحويلية في أبو حمد، فيما أشارت إفادات محلية إلى تعرض مواقع أخرى في الدبة، بينها مقر قيادة اللواء 76 وثلاث طلمبات للوقود، لهجمات مماثلة.
ويأتي هذا التطور في سياق سلسلة من الهجمات التي طالت منشآت الكهرباء والطاقة في عدد من الولايات السودانية، بما يضع حياة المواطنين واستقرار الخدمات الأساسية أمام تحديات متزايدة، ويهدد بتوسيع نطاق الأضرار الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن الحرب.
هل أصبح قطاع الكهرباء ساحة جديدة للحرب؟
إن استهداف محطات الكهرباء لا يمثل مجرد ضربة لمنشأة خدمية، بل يمتد تأثيره إلى مختلف مفاصل الحياة اليومية والاقتصاد الوطني.
فالكهرباء ترتبط بصورة مباشرة بتشغيل المستشفيات ومراكز المياه والاتصالات والمرافق الصناعية والخدمية، كما تمثل عنصراً أساسياً في عودة النشاط الاقتصادي وإعادة الحياة إلى المدن والمناطق التي تحاول التعافي من آثار الحرب.
ومن هنا، فإن تكرار الهجمات على منشآت الطاقة يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأهداف العسكرية والاستراتيجية لهذه العمليات، وما إذا كانت البنية التحتية المدنية تتحول إلى وسيلة للضغط على المجتمع السوداني عبر تعطيل الخدمات وزيادة الأعباء المعيشية.
ويرى مراقبون أن توسيع نطاق الأضرار التي تلحق بالمرافق الحيوية قد يضاعف معاناة المواطنين، ويجعل تكلفة الحرب أكثر اتساعاً من حدود المواجهات العسكرية المباشرة.
الضغط على الجبهة الداخلية.. من يتحمل فاتورة استهداف الخدمات؟
في الحروب، لا تقف آثار العمليات العسكرية عند خطوط الاشتباك، بل تمتد إلى المجتمعات والاقتصاد والخدمات الأساسية.
واستهداف الكهرباء، إذا ثبت ارتباطه بنمط متكرر من العمليات ضد المرافق الحيوية، يفتح الباب أمام قراءة تتعلق باستخدام الخدمات العامة وسيلة للضغط على الجبهة الداخلية، وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة تداعيات الحرب.
فالمواطن الذي يجد نفسه أمام انقطاع الكهرباء والمياه وتعطل المستشفيات وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح أول من يدفع ثمن هذه الهجمات، بصرف النظر عن طبيعة الحسابات العسكرية التي تقف وراءها.
لكن مثل هذه العمليات قد تنتج أيضاً أثراً عكسياً، يتمثل في تعميق رفض المواطنين لاستهداف مقدراتهم ومؤسساتهم الخدمية، وزيادة تمسكهم بحماية ما تبقى من البنية التحتية الوطنية.
مصر تدين.. وأين بقية المواقف العربية والأفريقية؟
في مقابل التصعيد الميداني، يبرز سؤال الموقف الإقليمي والدولي من الهجمات التي تستهدف المنشآت الحيوية في السودان.
وقد أصدرت جمهورية مصر العربية بياناً أدانت فيه تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد المنشآت المدنية والحيوية في السودان، وما يترتب عليها من سقوط ضحايا بين المدنيين واستهداف للبنية التحتية، ووصفت ذلك بأنه انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وأكدت القاهرة رفضها الكامل للعنف الذي يستهدف الأبرياء، وشددت على ضرورة حماية المدنيين، كما جددت دعوتها إلى وقف تدفق السلاح عبر الدول المجاورة للسودان إلى قوات الدعم السريع، مؤكدة دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
ويمثل الموقف المصري إدانة سياسية ودبلوماسية مهمة، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلاً مشروعاً: لماذا لا نشهد مواقف عربية وأفريقية ودولية أكثر وضوحاً وحسماً تجاه استهداف المنشآت التي يعتمد عليها ملايين السودانيين؟
إن حماية البنية التحتية المدنية ليست موقفاً سياسياً قابلاً للمساومة، بل التزام يرتبط بالقانون الدولي الإنساني، ولا ينبغي أن يتغير تبعاً للتحالفات أو المصالح أو الحسابات الجيوسياسية.
السودان لا يحتاج إلى بيانات التعاطف فقط
إن استمرار استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية مواقفه تجاه الأزمة السودانية.
فالسودانيون لا يحتاجون إلى بيانات القلق والتعاطف وحدها، وإنما إلى موقف واضح يرفض الاعتداء على المرافق المدنية، ويعمل على وقف تدفق السلاح، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
كما أن الدول العربية والأفريقية التي تربطها بالسودان علاقات تاريخية ومصالح استراتيجية مطالبة بألا تكتفي بمراقبة تطورات الحرب، بينما تتعرض مقدرات البلاد للتدمير وتتسع معاناة المواطنين.
معركة الكهرباء معركة حياة وليست مجرد صراع عسكري
ما حدث في الدبة وأبو حمد يتجاوز حدود استهداف محطتين للكهرباء؛ فهو يمس حق المواطنين في الخدمات الأساسية، ويضع مستقبل البنية التحتية السودانية أمام تحديات بالغة الخطورة.
وبينما تتواصل الحرب، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر استهداف المرافق الحيوية في السودان دون موقف دولي رادع؟
إن حماية محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمنشآت المدنية مسؤولية وطنية وإنسانية وقانونية، ويجب ألا تتحول معاناة السودانيين إلى تفصيل هامشي في حسابات السياسة الدولية.
فالسودان الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من مؤسساته وبنيته التحتية، لا يحتاج إلى مزيد من الظلام، بل إلى موقف إقليمي ودولي واضح يحمي حق شعبه في الحياة والخدمات والاستقرار.



