هل تنجح محفظة الـ171 مليار جنيه في إنقاذ الموسم الصيفي؟
الوضع الزراعي في أرقام (مايو 2026)
| المؤشر | الرقم |
|---|---|
| رأس مال البنك الزراعي قبل الجدولة | 15 مليار ج.س |
| رأس مال البنك الزراعي بعد الجدولة | 171 مليار ج.س |
| المساحة المستهدفة للتمويل | 25 مليون فدان |
| عدد الصوامع الجديدة (اتفاق بيلاروسيا) | 18 صومعة |
| أبرز المشاريع المتضررة من الحرب | الجزيرة، السلوكي، الجنيد، سكر غرب سنار |
المصدر: البنك الزراعي السوداني – المؤتمر الصحفي للسياسات التمويلية، مايو 2026
افتتاحية: إمكانيات هائلة وفجوة في التنفيذ
رغم الإمكانيات الزراعية الكبيرة التي يمتلكها السودان، ظل القطاع الزراعي لعقود يواجه أزمات مزمنة في التمويل والتخطيط والإنتاج.
السودان يتمتع بمقومات لا تتوفر لكثير من دول العالم: أرض زراعية خصبة شاسعة، وفرة في المياه، مناخات متعددة تسمح بتنوع المحاصيل، ونسبة تساقط أمطار معتبرة في مناطق واسعة. ورغم ذلك، ظل القطاع الزراعي يؤدي دون طاقته الإنتاجية بكثير.
اليوم، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تبرز أسئلة واضحة: هل تستطيع وزارة الزراعة والري والبنك الزراعي السوداني، مع الشركاء، إيجاد حلول حقيقية لهذه المشكلات؟ وما الجديد في السياسات التمويلية للموسم الصيفي 2026؟
تأثير الحرب على القطاع الزراعي
لم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
بروفيسور عصمت قرشي عبدالله، وزير الزراعة والري السوداني، كشف في المؤتمر الصحفي للسياسات التمويلية للموسم الصيفي 2026 عن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع. الحرب دمرت البنيات التحتية لمشاريع زراعية كبرى كانت تمثل العمود الفقري للإنتاج الزراعي.
أبرز المشاريع المتضررة
- مشروع الجزيرة: أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في أفريقيا، تعرض لأضرار جسيمة في بنيته التحتية وأنظمة الري
- مشروع السلوكي: توقف جزئي وكلي في بعض مراحله الإنتاجية
- مشروع الجنيد: تضرر أنظمة الري والتخزين بشكل كبير
- مشروع سكر غرب سنار: خسائر في المصانع والحقول والبنية التحتية
هذه المشاريع لم تكن مجرد مزارع، بل كانت تشكل شبكة أمان غذائي لملايين السودانيين. تدميرها يعني تحدياً مضاعفاً لجهود إنعاش القطاع.
“ملف الزراعة في السودان واحد من أهم الملفات التي تهم الحكومة” — بروفيسور عصمت قرشي عبدالله، وزير الزراعة والري
رئيس الوزراء أصدر قراراً بتشكيل لجنة خاصة لإنجاح الموسم الزراعي، نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج وتعقيدات المرحلة.
التمويل الزراعي: من 15 ملياراً إلى 171 مليار جنيه
ظل التمويل لسنوات هو العقبة الرئيسة أمام زيادة الإنتاج الزراعي في السودان.
الوضع قبل إعادة الهيكلة
صلاح أحمد عبدالرحيم، مدير البنك الزراعي السوداني، كشف بوضوح في المؤتمر الصحفي أن رأس مال البنك كان لا يتجاوز 15 مليار جنيه سوداني. هذا المبلغ، باعترافه المباشر، “غير كافٍ لتمويل الزراعة في السودان”. المصارف التجارية كانت تتحفظ على تمويل القطاع الزراعي بسبب ارتفاع المخاطر وتقلب العوائد.
القفزة التمويلية
بعد جدولة ديون البنك الزراعي السوداني لدى بنك السودان المركزي، برئاسة آمنة ميرغني، قفز رأس المال المخصص للتمويل إلى 171 مليار جنيه سوداني.
تطور رأس مال البنك الزراعي
| المرحلة | رأس المال | ملاحظة |
|---|---|---|
| قبل الجدولة | 15 مليار ج.س | غير كافٍ لتمويل القطاع |
| بعد الجدولة | 171 مليار ج.س | زيادة بنسبة تتجاوز 1000% |
هذه القفزة تمثل تحولاً كبيراً في قدرة البنك على دعم المزارعين. يبقى السؤال حول مدى كفاية هذا المبلغ لتمويل مساحة مستهدفة قدرها 25 مليون فدان.
“استراتيجية البنك تقوم على زيادة المواعين التخزينية وتمويل صغار المزارعين” — صلاح أحمد عبدالرحيم، مدير البنك الزراعي السوداني
سياسات جديدة لتمويل المزارعين
أعلن وزير الزراعة والري عن حزمة من السياسات الجديدة التي تستهدف معالجة مشكلات مزمنة في القطاع الزراعي.
أولاً: تبسيط إجراءات التمويل
الوزارة وجهت بتبسيط إجراءات الحصول على التمويل الزراعي. البيروقراطية التي طالما اشتكى منها المزارعون أصبحت على طاولة الإصلاح.
ثانياً: تجميع صغار المزارعين في جمعيات
سياسة جديدة تستهدف صغار المزارعين تحديداً، حيث يتم تجميعهم في جمعيات للتمويل والإنتاج. هذا النهج التعاوني يقلل المخاطر على البنك ويمنح المزارعين قوة تفاوضية أكبر.
ثالثاً: ربط التمويل بالإرشاد الزراعي والتأمين
لأول مرة، يتم ربط التمويل بشكل واضح بثلاثة عناصر متكاملة:
- الإرشاد الزراعي: لضمان استخدام التقنيات الحديثة
- التأمين: لتقليل مخاطر فشل الموسم
- الحزم التقنية: لضمان زيادة الإنتاجية
الهدف المعلن: إيقاف عملية الإعسار التي كانت تؤرق المزارعين في المواسم السابقة، وتقليل المخاطر التي كانت تهدد استرداد القروض.
رابعاً: المحاصيل المستهدفة والمساحة
البنك الزراعي يستهدف بتمويل الموسم الصيفي 2026:
| المحصول | المساحة المستهدفة |
|---|---|
| السمسم | ضمن 25 مليون فدان |
| الذرة | ضمن 25 مليون فدان |
| فول الصويا | ضمن 25 مليون فدان |
| البصل | ضمن 25 مليون فدان |
| الطماطم | ضمن 25 مليون فدان |
خامساً: صيغة السلم في التمويل
يركز البنك الزراعي على صيغة السلم كآلية رئيسية لتمويل المزارعين، مع توفير الأسمدة. هذا النمط التمويلي المتوافق مع الشريعة الإسلامية يتيح للمزارع الحصول على مدخلات الإنتاج دون الوقوع في دائرة الفوائد الربوية.
ودعا الوزير إدارة البنك الزراعي إلى تصميم سياسات تمويلية مرنة تراعي إمكانيات المنتجين المختلفة، خاصة في ظل التحديات التي خلقتها الحرب.
استراتيجيات التسويق والتخزين
لم تقتصر السياسات الجديدة على التمويل فقط، بل امتدت لتشمل حلقات ما بعد الإنتاج.
مشكلة التسويق
الوزير أشار إلى مشكلة التسويق التي كانت تواجه المنتجين، خاصة في ظل وجود فائض عن الحاجة المحلية بحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO). إنتاج محاصيل دون وجود أسواق لتصريفها يعني خسائر مؤكدة للمزارعين، ويقوض أي جهد لزيادة الإنتاج.
اتفاقيات لفتح أسواق عالمية
كشف الوزير عن اتفاق ورؤية مشتركة بين:
- وزارة الزراعة والري
- وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي
- وزارة التجارة
- البنك الزراعي
الهدف: فتح أسواق عالمية لتسويق المنتجات الزراعية السودانية. هذا تحول مهم من التركيز على الاستهلاك المحلي فقط إلى التصدير.
زيادة المواعين التخزينية
مدير البنك الزراعي أعلن عن استراتيجية جديدة لتطوير البنية التحتية للتخزين:
- اتفاق مع بيلاروسيا: إنشاء 18 صومعة جديدة لتخزين المحاصيل الزراعية وحفظها من التلف
- مخازن وصوامع تبريد: لحفظ الفاكهة والخضر في الولايات عالية الإنتاجية
هذا التوجه يعالج مشكلة مزمنة كانت تكلف السودان خسائر سنوية كبيرة بسبب تلف المحاصيل نتيجة نقص سعات التخزين.
التحدي الحقيقي: الفجوة بين الإعلان والتنفيذ
المشكلة الحقيقية في قطاع الزراعة في السودان لم تكن يوماً في وضع السياسات.
على مدى العقود الماضية، كُتبت سياسات زراعية كثيرة، وأُعلنت خطط طموحة، وعُقدت مؤتمرات صحفية مماثلة. التحدي كان ولا يزال في أربع زوايا أساسية:
1. تطبيق السياسات بصرامة
القوانين واللوائح موجودة، لكن تطبيقها يظل انتقائياً في أحيان كثيرة. تجاوزات في توزيع التمويل، تقصير في متابعة السداد، وضعف في الرقابة على حلقات السلسلة الزراعية.
2. إنزال السياسات على أرض الواقع
الفجوة بين ما يُعلن في المؤتمرات الصحفية وما يصل فعلاً إلى المزارع في قراه النائية لا تزال واسعة. السؤال العملي: كم مزارعاً في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق سيستفيد فعلاً من هذه السياسات؟
3. معالجة المشكلات بصورة جذرية
السياسات الجديدة تعالج أعراضاً كثيرة، لكن التحديات الهيكلية أعمق:
- ضعف البنية التحتية للري في مشاريع كبرى
- تدهور التربة في مناطق واسعة
- التغيرات المناخية وتذبذب الأمطار
- النزوح الذي أفقد القطاع أيدي عاملة كاملة
- انعدام الأمن في مناطق إنتاجية رئيسية
4. استمرارية السياسات
كم سياسة زراعية أُعلنت ثم ماتت بصمت مع تغير الوزراء أو الحكومات؟ الاستمرارية هي العامل الحاسم الذي طالما افتقده القطاع الزراعي السوداني.
“المشكلة الحقيقية في قطاع الزراعة في السودان ليست في وضع السياسات، بقدر ما هي في تطبيقها بصرامة دون تجاوزات أو تقصير”
الأسئلة الشائعة حول تمويل الزراعة في السودان
ما هي قيمة المحفظة التمويلية للموسم الصيفي 2026؟
بعد جدولة ديون البنك الزراعي لدى بنك السودان المركزي، بلغ رأس المال المخصص للتمويل 171 مليار جنيه سوداني، مقارنة بـ15 مليار جنيه فقط قبل إعادة الهيكلة.
ما المحاصيل التي يشملها التمويل الزراعي الجديد؟
يستهدف البنك الزراعي تمويل محاصيل: السمسم، الذرة، فول الصويا، البصل، والطماطم، ضمن مساحة زراعية إجمالية قدرها 25 مليون فدان.
ما صيغة التمويل المعتمدة في السياسات الجديدة؟
يركز البنك على صيغة السلم المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، مع توفير الأسمدة وربط التمويل بتطبيق الحزم التقنية والإرشاد الزراعي لضمان زيادة الإنتاجية.
كيف تأثر القطاع الزراعي بالحرب؟
تضررت البنى التحتية لمشاريع كبرى مثل مشروع الجزيرة، السلوكي، الجنيد، وسكر غرب سنار. كما أدى النزوح إلى فقدان أيدٍ عاملة زراعية في مناطق إنتاجية رئيسية.
ما الجديد في سياسات التسويق والتخزين؟
اتفاقيات لفتح أسواق عالمية لتسويق المنتجات الزراعية السودانية، واتفاق مع بيلاروسيا لإنشاء 18 صومعة جديدة، بالإضافة لمخازن تبريد لحفظ الفاكهة والخضر في الولايات عالية الإنتاجية.
خلاصة: اختبار المصداقية بعد المؤتمر الصحفي
المؤتمر الصحفي الذي جمع وزير الزراعة ومدير البنك الزراعي كشف عن رؤية طموحة وحزمة سياسات تمويلية جديدة للموسم الصيفي 2026.
الأرقام مُبشرة: 171 مليار جنيه سوداني بعد أن كان البنك لا يملك سوى 15 ملياراً. السياسات واضحة على الورق: تبسيط الإجراءات، تجميع المزارعين، ربط التمويل بالإرشاد والتأمين، وفتح أسواق عالمية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر الصحفي.
سيكون في قرية نائية في دارفور، حين يصل المزارع الصغير إلى فرع البنك الزراعي ليجد أن الإجراءات لم تتبسط بعد. وفي حقل في الجزيرة، حين يكتشف المزارع أن الأسمدة تأخرت عن موعدها. وفي ميناء بورتسودان، حين تتعطل شحنة محصول وعدته السياسات بأسواق عالمية.
القطاع الزراعي في السودان يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على لعب دور محوري في الاقتصاد السوداني، وفي الأمن الغذائي الإقليمي. لكن تحويل هذه الإمكانيات إلى واقع يتطلب تطبيقاً صارماً، وإرادة سياسية مستدامة، وشراكة حقيقية مع المزارعين أنفسهم.
المصادر والمراجع
- البنك الزراعي السوداني: المؤتمر الصحفي للسياسات التمويلية للموسم الصيفي 2026
- بنك السودان المركزي: تقارير جدولة الديون وإعادة الهيكلة
- FAO – منظمة الأغذية والزراعة: تقارير القطاع الزراعي في السودان
- وزارة الزراعة والري السودانية: تصريحات الوزير بروفيسور عصمت قرشي عبدالله – مايو 2026
تم إعداد هذا التحليل بناءً على المؤتمر الصحفي المشترك لوزارة الزراعة والري والبنك الزراعي السوداني حول السياسات التمويلية للموسم الصيفي 2026، المنعقد في مايو 2026. الآراء الواردة تعبر عن تحليل فريق التحرير استناداً إلى المعطيات المتاحة.


