ياسر أبو ريدة يكتب … خطاب الكراهية: السمّ الذي نتجرّعه بأيدينا
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة أكثر نفاذًا من أي سلاح، لم تعد منصات التواصل مجرد مساحةٍ للتعبير، بل تحوّلت بصورةٍ مقلقة إلى بيئةٍ خصبة لتغذية التوتر وصناعة الخصومة
بالأمس، وبينما كنت أتصفّح، استوقفني مشهدٌ يتكرر كثيرًا: شبابٌ داخل غرف نقاش، يتبادلون الإساءة بحدّةٍ لافتة، وكأن بينهم عداواتٍ متجذّرة. لغةٌ قاسية، وأوصافٌ جارحة، ونبرةٌ لا تُشبه طبيعة الناس في حياتهم اليومية.
لكن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أننا هنا على أرض الواقع، في جزيرة الخيرنلتقي في الأسواق، والحواشات، وقاعات الدراسة، وحتى في المشافي… نتساند، نتحايا، ونتقاسم الأفراح والأتراح بعفويةٍ صادقة.
فما الذي يتبدّل حين ننتقل من الواقع إلى الشاشة؟
ولماذا ينفلت اللسان هناك، بينما ينضبط هنا؟
المسألة ليست مجرد اختلاف وسيلة، بل اختلاف مناخ. فالفضاء الرقمي، في كثيرٍ من حالاته، بات بيئةً تُدار فيها المشاعر، وتُوجَّه فيها الخطابات. وما يبدو عفويًا، هو في أحيانٍ كثيرة نتاج خطابٍ مُصنّع، يُعاد ضخه وتضخيمه، ويُستدعى عند لحظات التوتر، ليؤدي دورًا محددًا في تعميق الشقوق بين الناس.
غير أن هذا الخطاب لا يعيش في فراغ، بل يجد ما يغذّيه: تراكماتٍ تاريخية، وضغوطًا معيشية، وشعورًا بالإحباط، يقابله غيابٌ واضح لأدوات الردع القانوني، وضعفٌ في ترسيخ قيم التعايش وقبول الآخر. كل ذلك يجعل من الكلمة المنفلتة أمرًا عاديًا، ومن الإساءة سلوكًا متداولًا.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح
هذا الطريق… بلا رابح.
فالكلمة الجارحة التي تُقال اليوم، قد تصبح غدًا بذرة خصومة، والخصومة قد تتضخم إلى صراع، والصراع قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. والأسوأ من ذلك، أن هناك من ينتظر هذه اللحظات، لا ليُطفئ النار، بل ليزيدها اشتعالًا، مستفيدًا من انقسامٍ يدفع ثمنه الأبرياء.
الأوطان لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل، حين تتآكل الثقة بين أبنائها، وحين تتحول الكلمات من جسورٍ للتواصل إلى معاول للهدم.
نحن اليوم أمام مسؤوليةٍ أخلاقية قبل أن تكون وطنية: أن نُدرك أن ما نكتبه ليس عابرًا، وأن ما نقوله قد يبني أو يهدم. فالوطن ليس لحظةً نعيشها، بل أمانةٌ نُسلّمها.
أعمارنا قصيرة…لكن أثرنا باقٍي


