بين القرى المحترقة وصوت النزوح المتصاعد في كاودا، تعود جبال النوبة إلى واجهة التوترات الأمنية من جديد، بعد اتهامات خطيرة طالت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى صراع مجتمعي واسع يهدد ما تبقى من استقرار هش في الإقليم.
وتأتي هذه التطورات في وقت يرزح فيه السودان تحت وطأة أزمات أمنية وإنسانية متشعبة، ما يجعل أي توتر داخل جبال النوبة مصدر قلق بالغ لدى السكان والمنظمات الحقوقية على حد سواء، خاصة مع تصاعد الحديث عن انتهاكات الحركة الشعبية وعمليات تهجير المدنيين في كاودا.
كاودا.. حرق وتهجير واتهامات مباشرة
أصدرت مجموعات شبابية وإعلامية من أبناء جبال النوبة بيانات متتالية تتحدث عن اعتداءات طالت قرى مكوّن الأطوروا في محيط كاودا، واتهمت عناصر تتبع للحركة الشعبية بحرق منازل وتهجير أسر واستهداف مناطق مدنية، في تطورات أعادت ملف الصراع في جبال النوبة إلى الواجهة مجددًا.
وبحسب تلك البيانات، نزحت عائلات عديدة بحثًا عن ملاذات آمنة داخل القرى المجاورة والمناطق الجبلية، وسط حالة خوف متزايدة تعيشها النساء والأطفال على وجه الخصوص، مع تدهور الأوضاع الإنسانية بصورة مقلقة.
ويقول سكان محليون إن الأطفال والنساء قضوا ليالي كاملة في العراء، بينما تواجه الأسر النازحة نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، في ظل صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالتوترات الأخيرة.
كما حمّلت البيانات قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال المسؤولية المباشرة عمّا يجري، مطالبةً بوقف فوري لما وصفته بـ”الانتهاكات الممنهجة”، وفتح تحقيق مستقل لمحاسبة المتورطين وضمان حماية المدنيين.
ناشطون: الخطر في التحوّل إلى صراع داخلي
ما يقلق المتابعين للشأن السوداني ليس الحوادث بحد ذاتها فقط، بل احتمال انزلاقها نحو نزاع اجتماعي بين مكونات جبال النوبة نفسها، في منطقة تنتشر فيها الأسلحة وتغيب عنها مؤسسات الدولة الرسمية في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية.
وشدّد ناشطون من أبناء المنطقة على أن استمرار التوترات دون تدخل حاسم قد يمزّق النسيج المجتمعي الذي صمد لعقود رغم الحرب، محذرين من أن خطاب التعبئة والتحريض قد يؤدي إلى توسيع دائرة النزاع داخل جنوب كردفان.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادات الأهلية والمجتمعية على احتواء الموقف قبل تحوله إلى صراع مفتوح يصعب السيطرة عليه لاحقًا.
جبال النوبة الجرح الذي لم يندمل
لم تعرف جبال النوبة استقرارًا حقيقيًا منذ عقود؛ فالمنطقة كانت مسرحًا لمواجهات طويلة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وظلت أوضاعها الأمنية هشة حتى في فترات الهدوء النسبي بسبب التوترات القبلية وتردّي الخدمات الأساسية.
ويؤكد محللون أن أي نزاع داخلي جديد سيضرب مجتمعات تعاني أصلًا من ضعف البنية الصحية وشح الغذاء وغياب الخدمات، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من السودان من أزمات إنسانية متفاقمة بفعل الحرب المستمرة.
كما يخشى كثيرون أن تؤدي التوترات الحالية إلى موجة نزوح جديدة داخل الإقليم، الأمر الذي قد يزيد من معاناة المدنيين ويضاعف الضغوط على المجتمعات المحلية.
مطالبات بممرات إنسانية وحوار مجتمعي
تصاعدت الدعوات لتدخل المنظمات الحقوقية والإنسانية لمراقبة الأوضاع في كاودا والمناطق المحيطة بها، وفتح ممرات إنسانية عاجلة لإيصال الغذاء والدواء للمتضررين من النزاع.
وفي المقابل، طالبت شخصيات أهلية وقيادات مجتمعية بتغليب لغة الحوار على السلاح، مؤكدةً أن جبال النوبة تحتاج اليوم إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى، بعد سنوات طويلة من الصراع والمعاناة.
كما شددت على أن دور الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية سيكون محوريًا في تهدئة الأوضاع ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تهدد مستقبل التعايش داخل الإقليم.
صمت الحركة يُعمّق القلق
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُصدر الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال أي بيان تفصيلي يوضح موقفها من الاتهامات المتداولة، وهو صمت زاد من حدة القلق داخل الأوساط المحلية، في ظل استمرار تداول روايات تتحدث عن انتهاكات وعمليات نزوح في مناطق متفرقة من كاودا.
ويترقب سكان المنطقة ما ستؤول إليه التطورات خلال الأيام المقبلة، فيما يرى مراقبون أن معالجة الأزمة تستلزم ثلاثة مسارات متوازية: التحقيق في الانتهاكات ، وحماية المدنيين، وإطلاق حوار مجتمعي واسع للحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي في جبال النوبة.
وبين صمت السلاح أحيانًا وضجيج الاتهامات أحيانًا أخرى، تبقى جبال النوبة معلقة بين شبح الحرب وأمل السلام، فيما يخشى السكان أن تتحول التوترات الحالية إلى شرارة جديدة تعيد الإقليم إلى دائرة العنف المفتوح بعد سنوات طويلة من المعاناة.



