أسعار الخضر والفاكهة في السودان.. هل تكسر المنتجات المصرية قبضة السماسرة؟

برودكاست نيوز | اقتصاد
تتباين أسعار الخضر والفاكهة في السودان بين ولاية وأخرى، وسط ضغوط المعيشة وتفاوت تكاليف النقل والإمداد، فيما أعاد انسياب المنتجات المصرية عبر معبر أشكيت الحدودي إلى واجهة النقاش قضية ارتفاع الأسعار والفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع للمستهلك.
وفي مدينة وادي حلفا بالولاية الشمالية، بدأت أسعار عدد من الخضروات في التراجع عقب معالجة مشكلة المعبر واستئناف انسياب المنتجات المصرية، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أثر زيادة المعروض والمنافسة على أسعار الغذاء في السودان.
وادي حلفا.. الطماطم المصرية بأقل من نصف سعر المحلية
شهدت أسواق وادي حلفا انخفاضاً ملحوظاً في أسعار عدد من الخضر والفاكهة، وفقاً للمعلومات المتداولة محلياً، عقب عودة تدفق المنتجات المصرية عبر معبر أشكيت الحدودي.
وبلغ سعر كيلو الطماطم المصرية نحو 10 آلاف جنيه سوداني، مقابل 30 ألف جنيه للطماطم المنتجة محلياً، وفق الأسعار الواردة من السوق، وهو فارق يصل إلى 20 ألف جنيه للكيلو، بما يعادل نحو 67% من سعر الطماطم المحلية.
ويعكس هذا التفاوت أهمية حجم المعروض وتكاليف وصول المنتجات إلى الأسواق، لكنه لا يكفي وحده لتحديد أسباب ارتفاع أسعار المنتجات المحلية، التي قد تتأثر أيضاً بتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين وتعدد حلقات الوساطة التجارية.
وبحسب الأسعار التي نشرتها صفحة "حلفا اليوم"، سجلت بعض الخضروات الأخرى المستويات الآتية:
- البطاطس: 5 آلاف جنيه للكيلو.
- الخيار: 6 آلاف جنيه.
- الليمون: 10 آلاف جنيه، مقابل 30 ألف جنيه للمنتج المحلي.
- الباذنجان الأسود: 4 آلاف جنيه.
- الفلفل والجزر: 5 آلاف جنيه لكل منهما.
- الشطة: 4 آلاف جنيه.
أما الفاكهة، فقد بلغ سعر كيلو الموز نحو 5 آلاف جنيه، والعنب 20 ألف جنيه للكيلو، فيما سجل التفاح 45 ألف جنيه للدستة.
وتشير التوقعات المتداولة بين التجار إلى احتمال استمرار انخفاض أسعار بعض الأصناف مع دخول كميات إضافية من المنتجات المصرية، غير أن استدامة هذا التراجع ستظل مرتبطة بانتظام الإمدادات وتكاليف النقل وحركة الطلب في الأسواق.
القضارف والجزيرة.. أسعار متفاوتة من سوق إلى آخر
وفي أسواق أخرى، تكشف قوائم الأسعار المتداولة عن تفاوت واضح في تكلفة الخضر والفاكهة والسلع الاستهلاكية، حتى بين المناطق داخل الولاية الواحدة.
ففي القضارف، أظهرت قائمة منشورة لأسعار بعض المنتجات أن كيلو الموز بلغ 3 آلاف جنيه، فيما سجلت البطاطس والجزر نحو 5 آلاف جنيه، والبامية 3 آلاف جنيه، والليمون والشطة الخضراء نحو ألفي جنيه للكوم.
وفي سوق قرية الرخاء بمنطقة الماطوري، التابعة لمحلية القرشي بولاية الجزيرة، أظهرت قائمة مؤرخة في 10 أكتوبر 2026 أن كيلو الموز بلغ 4 آلاف جنيه، والبرتقال 6 آلاف جنيه، والليمون ألفي جنيه، بينما سجلت الطماطم 3 آلاف جنيه للكوم، والبطاطس 5 آلاف جنيه للكوم، والبامية ما بين ألفين و3 آلاف جنيه بحسب القائمة.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأسعار تخص الكيلو، بينما تخص أخرى الكوم أو الربطة أو الوحدة، ولذلك لا تجوز المقارنة المباشرة بينها دون توحيد وحدة القياس. كما أن هذه القوائم تمثل أسعاراً محلية متداولة في تواريخ ومناطق محددة، ولا تمثل متوسطاً رسمياً لأسعار الخضر والفاكهة في السودان.
من الحقل إلى المستهلك.. أين تتسع فجوة الأسعار؟
تسلط الفروق السعرية الضوء على قضية أوسع تتعلق بكيفية انتقال المنتجات الزراعية من المزارع إلى المستهلك النهائي.
وفي مقال للكاتب الطاهر ساتي بعنوان "سلسلة الجشع"، طُرحت انتقادات لتعدد حلقات الوساطة التجارية وما قد تسببه من ارتفاعات في الأسعار، مع الدعوة إلى تنظيم الأسواق وتعزيز الشفافية في عمليات البيع والشراء.
وتشمل العوامل التي ينبغي فحصها لفهم هذه الفجوة أسعار شراء المحاصيل من المنتجين، وتكاليف الترحيل والوقود، ورسوم الأسواق والتخزين، ونسب الفاقد، وهوامش الربح في كل مرحلة من مراحل التداول.
ولا يمكن إرجاع ارتفاع الأسعار إلى السماسرة وحدهم دون بيانات تفصيلية عن تكلفة الإنتاج والنقل وأسعار البيع عند بوابات المزارع والأسواق المركزية. لكن تعدد الوسطاء وضعف شفافية الأسعار قد يزيدان صعوبة معرفة المستهلك للسعر العادل، ويحدان من قدرة المنتج على الحصول على عائد مناسب.
هل تنجح المنتجات المصرية في خفض أسعار الخضر بالسودان؟
تقدم تجربة وادي حلفا مؤشراً على أن زيادة المعروض عبر المنافذ التجارية قد تساهم في تخفيف أسعار بعض الأصناف، خصوصاً عندما تتوافر منتجات بديلة بأسعار أقل من المنتجات المحلية.
غير أن انتقال أثر هذه المنافسة إلى بقية الولايات يتطلب استمرار تدفق السلع، وتوفير وسائل نقل فعالة، وتقليل الاختناقات على الطرق والمعابر، إلى جانب تحسين حركة التوزيع بين الأسواق.
كما أن انخفاض أسعار المنتجات المستوردة لا ينبغي أن يكون على حساب استدامة الإنتاج الزراعي المحلي. فالمزارع السوداني يحتاج إلى مدخلات إنتاج ميسورة، وأسواق منظمة، وقنوات تسويق تضمن له عائداً مجزياً، حتى لا تتحول المنافسة إلى عامل يضعف الإنتاج المحلي على المدى الطويل.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة إنشاء منافذ للبيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، وتطوير أسواق الجملة، وإتاحة بيانات يومية للأسعار حسب الولاية ووحدة القياس، وتنظيم عمل الوسطاء وتوثيق المعاملات بالفواتير، مع تعزيز الرقابة على الممارسات الاحتكارية متى ثبتت.
أسعار الغذاء.. اختبار للرقابة وكفاءة الأسواق
في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر السودانية، لم تعد أسعار الخضر والفاكهة مسألة تجارية محدودة، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية واستقرار معيشة المواطنين.
ويضع تفاوت الأسعار بين وادي حلفا والقضارف والجزيرة أمام الجهات المختصة مهمة تطوير نظام أكثر شفافية لمتابعة الأسواق، ونشر مؤشرات منتظمة توضح أسعار المنتجين والجملة والتجزئة وتكاليف النقل والتوزيع.
فالهدف لا يقتصر على خفض الأسعار مؤقتاً، بل الوصول إلى سوق يحصل فيه المواطن على الغذاء بسعر معقول، وينال فيه المزارع عائداً عادلاً، وتعمل فيه حلقات التجارة ضمن قواعد واضحة تحد من الاحتكار والمضاربات غير المشروعة وإرتفاع سعر الصرف.
برودكاست نيوز | اقتصاد السودان
المصدر: مصادر مفتوحة



