إيجارات بالملايين ومنازل مغلقة.. لماذا أصبح السكن في الخرطوم حلماً صعباً؟

برودكاست نيوز – تقارير وتحليل
لم تعد رحلة العودة إلى الخرطوم تنتهي بالعثور على منزل بعد سنوات النزوح واللجوء؛ إذ يواجه آلاف السودانيين معضلة جديدة تتمثل في ارتفاع الإيجارات إلى مستويات تفوق دخول معظم الأسر، إيجارات بالملايين وسط انتشار التسعير بالدولار، وتراجع قيمة الجنيه، وارتفاع تكاليف صيانة العقارات والخدمات، إلى جانب مخاوف قانونية يقول بعض الملاك إنها تدفعهم إلى إبقاء منازلهم مغلقة بدلاً من تأجيرها.
وفي أم درمان، التي أصبحت وجهة رئيسية لكثير من العائدين، تتراوح إيجارات بعض الشقق ذات الغرفتين، وفق إفادات متداولة في السوق، بين 3 و5 ملايين جنيه شهرياً، فيما تصل إيجارات بعض المنازل الصغيرة إلى نحو مليوني جنيه.
وهي أرقام تضع الأسر أمام معادلة صعبة، خصوصاً عندما تقارن بقيمة الرواتب المحدودة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
ولا تبدو الأزمة محصورة في أم درمان؛ إذ تشير تقارير صحفية إلى ارتفاع الإيجارات في مناطق من الخرطوم بحري، خاصة المناطق التي يتزايد عليها الطلب بسبب توفر الخدمات من صحة وتعليم أو تحسن الظروف الأمنية، بينما تتفاوت الأسعار من حي إلى آخر بحسب حالة العقار وموقعه ومستوى الخدمات المتاحة فيه.
الدولار وتكاليف المعيشة.. من يدفع فاتورة السكن؟
يربط ملاك العقارات ارتفاع الإيجارات بتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف إعادة تأهيل المنازل وصيانتها، فضلاً عن زيادة نفقات الكهرباء والمياه والحراسة والخدمات الأخرى.

وفي المقابل، يرى مستأجرون أن بعض الملاك والسماسرة يبالغون في تقدير الأسعار، مستفيدين من زيادة الطلب على المساكن مع عودة أعداد من النازحين واللاجئين إلى العاصمة الخرطوم، ومن محدودية الخيارات المتاحة أمام الأسر الباحثة عن مأوى.
كما أثار اشتراط دفع الإيجارات بالدولار، أو ما يعادله بالجنيه السوداني، مخاوف إضافية لدى المستأجرين، لأن تقلبات سعر الصرف قد تجعل تكلفة السكن مرشحة للزيادة حتى بعد الاتفاق على قيمة الإيجار.
منازل مغلقة رغم أزمة السكن.. هل يفاقم القانون نقص المعروض؟
في مقابل شكاوى المستأجرين من الأسعار المرتفعة، يطرح بعض الملاك ووكلاء العقارات قضية أخرى تتعلق بمخاوف تأجير المنازل في ظل ما يصفونه بعدم التوازن بين حقوق المؤجر والمستأجر، وصعوبة استرداد العقار في بعض النزاعات.
وتذهب آراء متداولة في السوق إلى أن هذه المخاوف دفعت بعض أصحاب المنازل إلى عدم عرض عقاراتهم للإيجار، أو تفضيل إبقائها مغلقة، بدلاً من الدخول في علاقة إيجارية يخشون تعقيد إنهائها لاحقاً.
وإذا اتسع هذا السلوك، فإنه قد يؤدي إلى تقليص المعروض من المساكن، بالتزامن مع ارتفاع الطلب، وهو ما يضيف عاملاً جديداً إلى أسباب زيادة الإيجارات.
ماذا يقول قانون إيجار المباني في السودان؟
ينظم قانون إيجار المباني لسنة 1991 العلاقة الإيجارية، ويحدد حالات استرداد الحيازة، وينص على تحول الإيجارة التعاقدية بعد انتهائها إلى إيجارة حكمية بالشروط التي يحددها القانون، مع مراعاة حق المطالبة بتعديل الأجرة.
وتنص المادة (11) على حالات يجوز فيها للمؤجر إقامة دعوى لاسترداد حيازة العقار، من بينها عدم دفع الإيجار، أو حاجة المؤجر إلى المبنى لسكنه أو سكن بعض أقاربه وفق الشروط القانونية، أو الإخلال بشروط العقد في الحدود التي يجيزها القانون.
كما تنص المادة (14) على أن الإجارة التعاقدية تتحول عند انتهائها إلى إجارة حكمية، وتحدد مدة انقضائها بسبع سنوات وفق الحالات والتواريخ الواردة في النص.
أما العقد غير محدد المدة، فتتناول المادة (15/2) انتهاءه بعد سنة من تاريخ إخطار المستأجر كتابة بإنهائه.
وبالتالي، فإن القول إن كل عقد إيجار يتجدد تلقائياً لسبع سنوات بمجرد انتهاء مدته ليس دقيقاً على إطلاقه؛ إذ يتوقف تطبيق الأحكام على طبيعة العقد وتاريخ انتهائه والظروف القانونية المحيطة به.
كما أن النزاع حول الإخلاء لا يُحسم بمجرد رغبة أحد الطرفين، بل وفق القانون والإجراءات القضائية المختصة.
وتبرز هنا أهمية مراجعة العقود وتوثيقها، وتحديد مدة الإيجار وقيمته وآلية تعديلها، ومسؤولية الصيانة والخدمات، وشروط الإخلاء والتجديد، حتى لا تتحول العلاقة الإيجارية إلى نزاع طويل يضر بالطرفين.
حكومة الخرطوم أمام اختبار تنظيم سوق الإيجارات
ومع تصاعد شكاوى المواطنين من الإيجارات المرتفعة والتعامل بالدولار، تبرز الحاجة إلى دور حكومي يتجاوز التحذير من استغلال حاجة السكان إلى السكن، وصولاً إلى معالجة الاختلالات التي تحكم السوق.
وتشمل الخيارات المطروحة إنشاء قاعدة بيانات استرشادية لأسعار الإيجارات بحسب الأحياء ومساحات العقارات ومستوى الخدمات، وتسهيل توثيق العقود، وتوفير قنوات قانونية سريعة لتسوية النزاعات، إلى جانب تشجيع إعادة تأهيل المنازل المتضررة وإعادتها إلى سوق السكن.
كما يتطلب الأمر حواراً بين الجهات الحكومية وممثلي الملاك والمستأجرين والوسطاء العقاريين، للوصول إلى صيغة تحقق حماية المستأجر من المغالاة، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق المالك وتمنحه ضمانات قانونية واضحة.
أزمة السكن.. وجه آخر لتحديات العودة إلى الخرطوم
تكشف أزمة الإيجارات أن عودة السكان إلى العاصمة لا ترتبط بالأمن وحده، بل تحتاج إلى بيئة معيشية واقتصادية تسمح للأسر باستعادة حياتها بصورة مستقرة.
فالمواطن الذي يعود من النزوح أو اللجوء بحثاً عن الأمان والعمل والتعليم والخدمات، يجد نفسه أمام عبء سكني قد يستهلك معظم دخله، وربما يدفعه إلى تأجيل العودة أو الانتقال إلى مناطق أبعد وأقل تكلفة.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يمكن اختزال أزمة الإيجارات في اتهام الملاك أو السماسرة وحدهم، كما لا يمكن تجاهل معاناة المستأجرين.
فالأزمة نتاج تداخل تدهور العملة، وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، وتفاوت الخدمات والأمن بين الأحياء، وزيادة الطلب، ومخاوف قانونية تحتاج إلى معالجة.
ويبقى السؤال الأهم: كيف تستعيد الخرطوم سوقاً سكنية متوازنة تضمن للمالك عائداً عادلاً، وللمستأجر سكناً يستطيع تحمل تكلفته، وللعائدين فرصة حقيقية لبدء حياة جديدة؟
المصدر: استطلاعات



