هل تنقذ المصالحات الوطنية السودان؟ تاريخ طويل من الصلح وتحديات بناء السلام

برودكاست نيوز _ مقال تحليلي
في بلد أنهكته الحروب والانقسامات، وتراكمت فيه الخصومات السياسية والاجتماعية، لم تعد المصالحات الوطنية مجرد مبادرات اجتماعية لاحتواء النزاعات أو إطفاء الحرائق القبلية، بل أصبحت واحدة من القضايا الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل السودان ووحدة أراضيه وقدرته على استعادة الاستقرار وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها.
فالحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 لم تترك آثارها على المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية وحدها، وإنما امتدت إلى البنية الاجتماعية، وأثرت في علاقات الجوار والتعايش بين المجتمعات، وأعادت إلى الواجهة مخاوف الانقسام والتشظي وتراجع الثقة بين المكونات الوطنية.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز المصالحات الوطنية بوصفها مساراً لا يقل أهمية عن المسارات السياسية والعسكرية، لأن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء آثار الحرب، كما أن توقيع الاتفاقيات لا يكفي وحده لإعادة بناء مجتمع فقد كثيراً من روابط الثقة والتضامن.
ومن هنا تكتسب التحركات التي يقودها المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي ولجنة المصالحات الوطنية ورتق النسيج الاجتماعي، ومن بينها لقاءات الوفد مع زعماء الإدارات الأهلية والكيانات المجتمعية بولاية كسلا، أهمية تتجاوز حدود الزيارة البروتوكولية، لتطرح سؤالاً جوهرياً:
كيف يمكن تحويل المصالحات من مبادرات ظرفية إلى مشروع وطني مستدام لحماية السودان؟

السودان.. تاريخ طويل من المصالحات واحتواء النزاعات
لم تكن المصالحات غريبة على المجتمع السوداني، بل ارتبطت تاريخياً بطبيعة تركيبته الاجتماعية المتنوعة، وبوجود أنظمة عرفية ومؤسسات أهلية ساهمت في تنظيم العلاقات بين المجتمعات المحلية واحتواء الخلافات.
وعلى مدى عقود طويلة، لعبت الإدارات الأهلية وزعماء القبائل والعُمد والمشايخ دوراً مهماً في معالجة النزاعات، خصوصاً تلك المرتبطة بالأرض والمراعي والموارد الطبيعية والحدود الاجتماعية، من خلال آليات عرفية عُرفت في مناطق واسعة من السودان باسم «الجودية».
وتقوم الجودية على اختيار مجموعة من الوسطاء المعروفين بالحكمة والقبول الاجتماعي، يطلق عليهم «الأجاويد»، للعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، والاستماع إلى رواياتها، والبحث عن تسوية مقبولة، قد تشمل الاعتذار والتعويض وجبر الضرر والتعهد بعدم تكرار الاعتداء.
ولم تكن هذه الآلية مجرد وساطة تقليدية، بل شكلت في كثير من المجتمعات منظومة متكاملة لإدارة الخلافات، تستند إلى الأعراف المحلية والروابط الاجتماعية والرمزية الأخلاقية للقيادات الأهلية.
كما عرفت مناطق السودان المختلفة مؤتمرات الصلح والتعايش بين القبائل والمجموعات السكانية، خاصة في دارفور وكردفان وشرق السودان، حيث كانت المصالحات تمثل وسيلة لإعادة فتح الطرق والأسواق وتأمين حركة الرعاة والمزارعين واستعادة العلاقات بين المجتمعات المتجاورة.
لكن هذه التجربة، رغم أهميتها، لم تكن بمنأى عن التأثيرات السياسية والإدارية، إذ تعرضت مؤسسات الإدارة الأهلية لتحولات متباينة عبر العهود السياسية المختلفة، ما أثر في استقلاليتها وأدوارها التقليدية وقدرتها على التدخل في النزاعات.

من اتفاقية أديس أبابا إلى جوبا.. دروس من تاريخ السلام السوداني
على المستوى الوطني، شهد السودان محطات مهمة في مسيرة المصالحات واتفاقيات السلام، بعضها حقق اختراقات تاريخية، بينما كشفت تجارب أخرى عن صعوبة تحويل التفاهمات السياسية إلى استقرار دائم.
ففي عام 1972، شكلت اتفاقية أديس أبابا محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، عندما أنهت الحرب الأولى بين الحكومة السودانية وحركة التمرد في جنوب السودان، وأرست ترتيبات للحكم الذاتي في الإقليم الجنوبي.
غير أن انهيار الاتفاقية وتجدد الحرب عام 1983 قدما درساً مهماً في أن السلام لا يستمر بمجرد توقيعه، وإنما يحتاج إلى التزام سياسي ومؤسسات قادرة على حماية الاتفاق ومعالجة أسباب الخلاف.
وفي يناير 2005، وقع السودان اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، بعد مفاوضات طويلة، تضمنت ترتيبات لتقاسم السلطة والثروة والأمن، ومهدت لاحقاً لاستفتاء تقرير المصير وانفصال جنوب السودان عام 2011.
وشهدت السنوات التالية محاولات أخرى لمعالجة النزاعات، من بينها اتفاقية شرق السودان الموقعة في أسمرا عام 2006 بين الحكومة وجبهة الشرق، واتفاق أبوجا للسلام في دارفور عام 2006، ثم وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011.
وفي أكتوبر 2020، جاء اتفاق جوبا لسلام السودان ليضم عدداً من الحركات المسلحة، ويطرح ترتيبات سياسية وأمنية وتنموية لمعالجة جذور النزاعات في مناطق مختلفة من البلاد.
لكن القاسم المشترك بين كثير من هذه التجارب كان الفجوة بين النصوص والواقع؛ إذ لم تتمكن الاتفاقيات وحدها من معالجة جميع جذور الأزمات والنزاع على الموارد والسلطة، كما ظلت قضايا تنفيذ الالتزامات وبناء الثقة والمصالحة المجتمعية تحديات قائمة.

وهنا تكمن واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن يستوعبها أي مشروع جديد للمصالحات في السودان: السلام السياسي لا يكتمل دون سلام اجتماعي، والتسويات بين القيادات لا تعني بالضرورة أن المجتمعات المحلية قد تجاوزت خلافاتها وجراحها.
لماذا أصبحت المصالحات ضرورة استراتيجية لمستقبل السودان؟
تتجاوز أهمية المصالحات الوطنية معالجة الخصومات بين المكونات الاجتماعية، لتشمل مجموعة من الملفات المرتبطة مباشرة باستقرار الدولة ومستقبلها.
أولاً: حماية وحدة المجتمع ومنع الانقسام التنوع الاجتماعي والثقافي والقبلي في السودان يمثل إحدى السمات التاريخية للبلاد، لكن هذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر توتر عندما تغيب العدالة وتضعف المؤسسات وتُستغل الهويات الاجتماعية في الصراعات السياسية والعسكرية.
وتساعد المصالحات الجادة على إعادة بناء العلاقات بين المكونات المختلفة، وتأكيد أن الانتماء الوطني يجب أن يكون مظلة جامعة لا تلغي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية.
ثانياً: منع انتقال الحرب إلى صراعات مجتمعية طويلة الأمد من أخطر تداعيات الحروب أن تتحول المواجهات المسلحة إلى خصومات اجتماعية متوارثة، تنتقل من جيل إلى آخر، وتتغذى على الذاكرة الجماعية للضحايا والمظالم.
ومن هنا تبرز أهمية التدخل المبكر عبر لجان المصالحات والوساطات المجتمعية، لمنع توسع النزاعات المحلية، وفتح قنوات الحوار، واحتواء الاحتقان قبل أن يتحول إلى مواجهات جديدة.
ثالثاً: تهيئة البيئة لعودة النازحين واللاجئين لا يمكن الحديث عن عودة طوعية وآمنة ومستدامة للنازحين واللاجئين دون وجود بيئة اجتماعية مطمئنة، يشعر فيها العائدون بالأمان والقبول، وتتوفر فيها ضمانات لحماية الممتلكات والحقوق والعلاقات المجتمعية.
فإعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات والطرق تمثل جانباً أساسياً من التعافي، لكن إعادة بناء الثقة بين الجيران والمجتمعات التي فرقتها الحرب لا تقل أهمية عن إعادة إعمار المباني.
رابعاً: دعم الاقتصاد وإعادة الإعمار الاستقرار الاجتماعي شرط أساسي لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري، لأن المستثمر والمزارع والتاجر يحتاجون إلى بيئة آمنة وعلاقات مستقرة ومجتمعات قادرة على التعاون.
وفي المناطق الزراعية والرعوية، تكتسب المصالحات أهمية إضافية في معالجة النزاعات حول الأراضي ومسارات الرعي ومصادر المياه، بما يحول دون تعطيل الإنتاج ويفتح المجال أمام استعادة النشاط الاقتصادي.
خامساً: استعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها عندما تتمكن المجتمعات من حل خلافاتها عبر الحوار والوساطة والعدالة، تتراجع فرص اللجوء إلى العنف وتتعزز الثقة في المؤسسات.
لكن نجاح المصالحات يتطلب أيضاً وجود دولة قادرة على إنفاذ القانون وحماية الحقوق ومحاسبة المعتدين، لأن الوساطة الأهلية لا يمكن أن تكون بديلاً عن العدالة والمؤسسات الرسمية.

الإدارات الأهلية.. قوة اجتماعية تحتاج إلى دور وطني متوازن
تمتلك الإدارات الأهلية في السودان رصيداً اجتماعياً وتاريخياً يجعلها قادرة على الوصول إلى المجتمعات المحلية والتأثير في مواقفها، خصوصاً في المناطق التي تضعف فيها الخدمات والمؤسسات الرسمية أو تتراجع فيها قدرة الدولة على التواصل المباشر مع المواطنين.
فالناظر والسلطان والعمدة والشيخ لا يمثلون مجرد مواقع اجتماعية تقليدية، بل قد يشكلون في كثير من المجتمعات قنوات اتصال ووساطة وتأثير، تساعد في تقريب المواقف واحتواء النزاعات.
غير أن هذا الدور يحتاج إلى تطوير يتناسب مع طبيعة الدولة الحديثة، بحيث تصبح الإدارات الأهلية جسراً للتواصل المجتمعي، لا بديلاً عن مؤسسات الحكم والقضاء، ولا أداة للاستقطاب السياسي أو التعبئة على أساس الهوية.
كما أن نجاح المصالحات يستدعي توسيع دائرة المشاركة، وعدم حصرها في القيادات التقليدية وحدها، بل إشراك النساء والشباب والنازحين والمهنيين ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الدينية والأكاديميين.
فالمجتمعات التي عانت من النزاعات ليست مجرد أطراف تنتظر قرارات زعمائها، بل ينبغي أن تكون شريكاً مباشراً في صياغة مستقبلها.

كسلا.. اختبار عملي لتحويل ميثاق التعايش إلى واقع
في هذا السياق، تكتسب زيارة وفد لجنة المصالحات الوطنية ورتق النسيج الاجتماعي إلى ولاية كسلا أهمية خاصة، بالنظر إلى تعدد المكونات الاجتماعية والثقافية التي تشكل النسيج السكاني للولاية.
وقد شملت لقاءات الوفد نظارات الهدندوة والبني عامر والحلنقة، إلى جانب كياني النوبة والشمال، حيث أعلنت القيادات التي التقاها الوفد ترحيبها بميثاق التعايش السلمي ودعمها للجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والتواصل بين المكونات الاجتماعية.
وتعكس هذه اللقاءات أهمية البدء من المجتمعات المحلية نفسها، والاستماع إلى قياداتها ومخاطبة هواجسها، بدلاً من الاكتفاء بإعلان مبادرات عامة من المؤسسات المركزية.
لكن التحدي الحقيقي أمام هذه المبادرة لا يتمثل في عدد اللقاءات أو حجم التصريحات المؤيدة، وإنما في قدرتها على الانتقال من مرحلة التبشير بالميثاق إلى مرحلة التنفيذ.
فالمطلوب هو وضع آليات واضحة لمتابعة الالتزامات، وتنظيم لقاءات دورية بين المكونات الاجتماعية، وإنشاء قنوات للتدخل المبكر عند ظهور الخلافات، والعمل على معالجة النزاعات المرتبطة بالأرض والموارد والحقوق، قبل أن تتفاقم.
كما ينبغي أن تتحول المدارس والجامعات والمساجد والمراكز الثقافية والمنتديات الشبابية إلى مساحات لتعزيز ثقافة التعايش وقبول الآخر، لأن المصالحة لا تُبنى في قاعات الاجتماعات وحدها، بل تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية.

لماذا فشلت بعض المصالحات السابقة؟
الدروس التي لا ينبغي تجاهلها رغم تعدد مؤتمرات الصلح واتفاقيات السلام التي شهدها السودان، فإن تجدد بعض النزاعات يكشف عن وجود مشكلات بنيوية في إدارة المصالحات.
أولى هذه المشكلات هي التعامل مع المصالحة باعتبارها حدثاً احتفالياً ينتهي بانتهاء المؤتمر أو توقيع الوثيقة، دون وجود مؤسسات متابعة وضمانات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
أما المشكلة الثانية فتتمثل في إهمال جذور النزاع؛ فالتصالح بين قيادات مجموعتين لا يحل بالضرورة مشكلات ملكية الأراضي أو التهميش أو التنافس على الموارد أو غياب الخدمات.
وتتمثل المشكلة الثالثة في تسييس بعض المبادرات، عندما تتحول الوساطة الاجتماعية إلى أداة لتحقيق مكاسب سياسية أو تعزيز نفوذ أطراف بعينها، وهو ما قد يضعف ثقة المجتمعات في حياد الوسطاء.
وهناك أيضاً مشكلة غياب العدالة وجبر الضرر، إذ لا يمكن مطالبة الضحايا بتجاوز ما تعرضوا له دون الاعتراف بمعاناتهم، ومعالجة الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.
إن المصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا قد تحقق هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تضمن سلاماً مستداماً.

كيف تتحول المصالحات إلى مشروع وطني لاستقرار السودان؟
إن بناء مشروع وطني للمصالحات يتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية شاملة، تقوم على مجموعة من المسارات المتكاملة:
1. إعداد ميثاق وطني جامع: يقوم على المواطنة المتساوية ونبذ العنف واحترام التنوع والاحتكام إلى القانون، مع مشاركة حقيقية لمختلف المكونات السودانية.
2. إنشاء آلية وطنية مستقلة للمتابعة: تتولى رصد تنفيذ اتفاقيات المصالحات، وتوثيق الالتزامات، وإصدار تقارير دورية عن التقدم والتحديات.
3. تفعيل المصالحات المحلية: عبر لجان في الولايات والمحليات والمناطق المتأثرة بالنزاعات، مع تمثيل متوازن للمجتمعات المعنية.
4. ربط المصالحات بالعدالة وجبر الضرر: من خلال الاعتراف بالانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ومعالجة قضايا الممتلكات والأراضي والتعويضات وفق القانون.
5. إشراك النساء والشباب: باعتبارهم من أكثر الفئات تأثراً بالحرب، ومن أكثر القوى المجتمعية قدرة على نقل ثقافة السلام إلى الأجيال القادمة.
6. توفير برامج للتعايش والتعافي الاقتصادي: تشمل المبادرات المشتركة في الزراعة والتعليم والصحة والأسواق والمشروعات الصغيرة، حتى تصبح المصالحة مصلحة يومية يلمس المواطن نتائجها.
7. حماية استقلالية الإدارات الأهلية: وضمان عدم استخدامها في الصراعات السياسية أو العسكرية، مع تطوير قدراتها في الوساطة وإدارة النزاعات.

المصالحة لا تعني النسيان.. بل بناء مستقبل لا تتكرر فيه المأساة
من المهم التمييز بين المصالحة والتنازل عن الحقوق؛ فالمصالحة الوطنية ليست دعوة إلى نسيان ما حدث، ولا إلى إعفاء المسؤولين عن الانتهاكات من المساءلة، ولا إلى فرض التعايش على المجتمعات المتضررة دون معالجة مظالمها.
إنها عملية تتطلب الاعتراف بالأخطاء، والإنصاف، وجبر الضرر، واستعادة الثقة، والاتفاق على قواعد جديدة تمنع تكرار العنف.
كما أن دعم السيادة الوطنية لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما ببناء مجتمع متماسك، ودولة تحمي مواطنيها، ومؤسسات تحترم القانون، وعلاقات اجتماعية لا تسمح بتحويل الاختلاف إلى عداوة.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق ينهي الحرب، بل يحتاج إلى مشروع طويل الأمد يعيد بناء العلاقة بين المواطن والمجتمع والدولة، ويعالج الأسباب التي جعلت الخلافات تتحول مراراً إلى صراعات مسلحة.

الخلاصة.. هل تكون المصالحات بداية الطريق نحو سودان جديد؟ إن التحركات التي يشهدها ملف المصالحات الوطنية، واللقاءات التي يجريها المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي مع الإدارات الأهلية والكيانات المجتمعية، تفتح نافذة مهمة لإعادة الاعتبار لدور المجتمع في حماية الدولة من التفكك.
لكن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز مرحلة التأييد اللفظي إلى العمل المؤسسي، وبناء آليات مستمرة للحوار والعدالة وجبر الضرر والتنمية المشتركة.
إن التحدي أمام السودان اليوم ليس فقط كيف ينهي الحرب، بل كيف يمنع عودة أسبابها، وكيف يحول التنوع من مصدر قابل للاستغلال في الصراعات إلى رصيد وطني للتعاون والإنتاج والبناء.
فالمصالحة الحقيقية ليست صورة تجمع زعماء المكونات الاجتماعية حول وثيقة، ولا بياناً يعلن توافق الأطراف، وإنما واقع يشعر فيه المواطن أن حقوقه مصونة، وكرامته محفوظة، ومستقبله مرتبط بمستقبل وطن واحد.
السودان لن يستعيد عافيته بإعادة بناء ما دمرته الحرب من مبانٍ ومؤسسات فقط، بل بإعادة بناء ما تصدع بين أبنائه من ثقة وروابط إنسانية. وهنا تبدأ القيمة الحقيقية للمصالحات الوطنية.



