بوركينا فاسو تقلب المعادلة الاقتصادية .. من عجز بـ52 مليار إلى فائض 117 مليون دولار

برودكاست نيوز – تقرير اقتصادي تحليلي
في تحول لافت في مؤشرات المالية العامة، أعلنت بوركينا فاسو تسجيل فائض في الميزانية العامة بلغ 66.33 مليار فرنك إفريقي، بنهاية الربع الأول من عام 2026، بما يعادل نحو 117.4 مليون دولار، بعدما كانت البلاد قد سجلت عجزاً بلغ 52.68 مليار فرنك إفريقي خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
التحول الذي كشفت عنه الحكومة البوركينية في تقرير تنفيذ الموازنة والخزينة حتى 31 مارس 2026، يفتح الباب أمام قراءة أوسع للتغيرات التي تشهدها إدارة الموارد الاقتصادية في واحدة من دول غرب إفريقيا، خصوصاً في ظل توجه الحكومة نحو تعزيز السيطرة الوطنية على الثروات المعدنية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وزيادة الاعتماد على الإيرادات المحلية.
لكن السؤال الأهم ليس حجم الفائض وحده، وإنما كيف تمكنت الدولة من تحقيق هذا التحول؟ وهل يمثل ذلك بداية نموذج اقتصادي جديد في القارة الإفريقية؟
66 مليار فرنك.. ماذا تقول الأرقام؟
تكشف البيانات الرسمية عن تحسن واضح في مؤشرات الأداء المالي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026. فقد بلغت الإيرادات الحكومية المحصلة 807.56 مليار فرنك إفريقي، متجاوزة المستهدف الفصلي البالغ 748.60 مليار فرنك، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 107.88%.
وفي المقابل، سجل تنفيذ نفقات الميزانية 741.23 مليار فرنك إفريقي، مقارنة بمخصصات سنوية تبلغ 3,918.29 مليار فرنك. وأسفرت هذه المؤشرات عن تسجيل فائض في الرصيد الإجمالي للميزانية بلغ 66.33 مليار فرنك إفريقي، مقابل عجز قدره 52.68 مليار فرنك في الفترة نفسها من عام 2025.
أما على مستوى التدفقات النقدية للخزينة، فقد بلغت المتحصلات 1,453.44 مليار فرنك، مقابل مدفوعات بلغت 1,245.33 مليار فرنك، محققة رصيداً نقدياً موجباً قدره 208.11 مليارات فرنك إفريقي.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين فائض الميزانية والرصيد النقدي للخزينة، إذ يعكس كل منهما مؤشراً مالياً مختلفاً.
الذهب.. المحرك الأبرز للإيرادات الوطنية
لا يمكن قراءة التحول المالي في بوركينا فاسو بعيداً عن قطاع الذهب، الذي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني ومصادر النقد الأجنبي والإيرادات الحكومية.
فقد تجاوز إنتاج البلاد من الذهب 94 طناً خلال عام 2025، وفق البيانات التي أعلنها رئيس الوزراء أمام الجمعية التشريعية الانتقالية، منها قرابة 43 طناً من التعدين التقليدي وشبه الميكانيكي.
وأسهم القطاع في تحقيق إيرادات حكومية تجاوزت 776 مليار فرنك إفريقي حتى نهاية العام نفسه، إلى جانب مساهمات تجاوزت 85 مليار فرنك في صندوق التنمية التعدينية.
وتعمل الحكومة على زيادة حصتها من عائدات التعدين من خلال مراجعة التشريعات، وتعزيز الرقابة على الشركات، وتوسيع مشاركة الدولة في الأصول التعدينية، ومكافحة التهريب والتعدين غير القانوني.
ومن أبرز خطوات هذا التوجه إنشاء شركة المشاركة التعدينية في بوركينا فاسو (SOPAMIB)، التي تستهدف امتلاك وإدارة وتشغيل أصول تعدين استراتيجية، إلى جانب نقل عدد من الأصول التعدينية إلى ملكية الدولة.
كما ساهم ارتفاع أسعار الذهب عالمياً، بالتزامن مع الإصلاحات التشريعية، في تعزيز الإيرادات العامة، وهو ما يجعل من الصعب إرجاع التحسن المالي إلى عامل سياسي واحد.
هل انتهى عصر الاعتماد على الخارج؟
منذ وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة، اتجهت بوركينا فاسو إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية، وتعزيز خطاب السيادة الوطنية، ومراجعة شكل التعاون مع القوى الدولية، بالتزامن مع توسيع الدور الحكومي في إدارة الموارد الطبيعية.
وقد صاحب هذا التوجه انسحاب القوات الفرنسية من البلاد، وتصاعد الخطاب السياسي المطالب بإنهاء أشكال النفوذ الخارجي، وتعزيز استقلال القرار الوطني.
لكن التحليل الاقتصادي يتطلب الفصل بين السيادة السياسية والنتائج المالية؛ فاستعادة السيطرة على الموارد لا تعني تلقائياً تحقيق التنمية، وإنما تتيح للدولة فرصة أكبر للحصول على نصيب من عائداتها، بشرط وجود إدارة رشيدة وشفافة لهذه الموارد.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إصلاحات قطاع التعدين، وزيادة حصة الحكومة، وتحسين الرقابة، وارتفاع أسعار الذهب، كانت من العوامل التي عززت الإيرادات التعدينية خلال عام 2025.
وهذا يعني أن التحول لا يرتبط فقط بتغيير الشراكات الخارجية، بل أيضاً بتغييرات تشريعية وإدارية داخل الاقتصاد نفسه.
المفارقة التي يجب ألا تغيب عن المشهد
رغم أهمية الفائض المسجل خلال الربع الأول من 2026، فإن الأرقام لا تعني أن بوركينا فاسو أنهت عجزها المالي بصورة نهائية. فالموازنة السنوية التي أُقرت لعام 2026 تضمنت إيرادات متوقعة بنحو 3,431.5 مليار فرنك إفريقي، مقابل نفقات تبلغ 3,918.3 مليار فرنك، مع عجز مخطط يصل إلى 486.8 مليار فرنك.
وبالتالي فإن الفائض المحقق في الأشهر الثلاثة الأولى يمثل تحسناً مهماً في التنفيذ المالي، لكنه لا يلغي التحديات المرتبطة ببقية العام. كما تواجه البلاد تحديات أمنية وإنسانية كبيرة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الكبير على الذهب.
ويحذر صندوق النقد الدولي كذلك من مخاطر تقلب أسعار الذهب، واحتمالات تراجع الإيرادات التعدينية، فضلاً عن التحديات الأمنية التي قد تؤثر في النشاط الاقتصادي والاستثمار.
هل تستطيع إفريقيا تكرار التجربة؟
تطرح تجربة بوركينا فاسو سؤالاً يتجاوز حدودها الجغرافية: لماذا ظلت دول إفريقية غنية بالموارد الطبيعية تعاني عجز الموازنات وضعف الخدمات، رغم امتلاكها ثروات ضخمة من الذهب والنفط والغاز والمعادن؟
الإجابة لا تتعلق بالاستعمار وحده، ولا بالقرارات السياسية وحدها، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها طبيعة العقود التعدينية، وكفاءة تحصيل الضرائب، وحجم الفساد، وشفافية الإنفاق العام، وقدرة الحكومات على تحويل الموارد الطبيعية إلى استثمارات إنتاجية.
وتحتاج دول إفريقيا إلى بناء مؤسسات اقتصادية قوية، وتطوير الصناعات التحويلية، وزيادة القيمة المضافة للمعادن محلياً، وتحسين إدارة الإيرادات، حتى لا تظل مجرد مصدر للمواد الخام إلى الأسواق العالمية.
وبالنسبة للسودان، تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في ظل امتلاكه موارد ضخمة من الذهب والأراضي الزراعية والثروات المعدنية، وحاجته إلى إعادة بناء اقتصاده بعد الحرب، واستعادة الثقة في مؤسساته المالية، وتحويل موارده إلى إيرادات حقيقية تنعكس على حياة المواطنين.
فالمطلوب ليس استنساخ تجربة دولة أخرى، وإنما الاستفادة من الدروس المتعلقة بإدارة الموارد، ومراجعة العقود، ومحاربة التهريب، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وربط عائدات الثروة بالتنمية والخدمات.
من الأرقام إلى حياة المواطنين
في النهاية، لا تقاس نجاحات السياسات الاقتصادية بحجم الفائض المالي وحده، وإنما بمدى انعكاسه على حياة الناس.
هل ستتحسن الخدمات الصحية والتعليمية؟
هل ستتوسع فرص العمل؟
هل ستنخفض معدلات الفقر؟
وهل ستتحول عائدات الذهب إلى طرق وكهرباء ومياه ومشروعات إنتاجية؟
هذه هي الاختبارات الحقيقية لأي تجربة اقتصادية تسعى إلى إثبات قدرتها على إحداث تحول مستدام.
بوركينا فاسو تقدم اليوم مؤشرات مالية تستحق المتابعة والدراسة، لكن الحكم على تجربتها سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحويل التحسن في الخزينة إلى تنمية ملموسة، والحفاظ على استقرار المالية العامة، وبناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على تقلبات سوق الذهب.
فالسيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد امتلاك الثروة، بل بالقدرة على إدارتها، وحمايتها، وتوظيف عائداتها لصالح المجتمع.
المصدر: الحكومة البوركينية – بيانات تنفيذ الموازنة والنتائج المالية للربع الأول. صندوق النقد الدولي – غرفة مناجم بوركينا فاسو: إنتاج الذهب والإيرادات التعدينية لعام 2



