مدخرات السودانيين بالخارج .. ثروة بالمليارات لماذا يعجز السودان عن استقطابها؟

برودكاست نيوز ملف الاقتصاد
بينما تبحث الحكومة السودانية عن مصادر جديدة للنقد الأجنبي، وتضع خططاً لزيادة الإنتاج وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، تظل واحدة من أكبر الثروات الاقتصادية المتاحة للبلاد خارج حدودها: مدخرات السودانيين بالخارج.
هذه الثروة التي كان يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، ما زالت بعيدة عن القنوات المصرفية والاستثمارية الرسمية، في مفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً:
لماذا فشلت الحكومات السودانية المتعاقبة في استقطاب مدخرات المغتربين، رغم حاجة البلاد الماسة إلى العملات الأجنبية ورؤوس الأموال؟
المفارقة أن السودانيين في الخارج لم يتخلوا عن وطنهم في أصعب الظروف، بل كانوا من أبرز مصادر الدعم لأسرهم خلال الحرب، وتحملوا أعباء النزوح واللجوء والعلاج والتعليم والمعيشة، في وقت عجزت فيه مؤسسات الدولة عن توفير كثير من الاحتياجات الأساسية.
لكن هذه القدرة الكبيرة على التضامن الفردي لم تتحول إلى منظومة اقتصادية وطنية تستفيد منها البلاد.
مصر تقدم درساً اقتصادياً يستحق التأمل
تقدم التجربة المصرية نموذجاً مهماً في كيفية التعامل مع تحويلات العاملين بالخارج باعتبارها مورداً استراتيجياً للنقد الأجنبي.
فبحسب بيانات البنك الدولي، جاءت مصر في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث حجم التحويلات الشخصية الواردة خلال عام 2025، بنحو 41.5 مليار دولار، بزيادة بلغت 40.5% مقارنة بعام 2024، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
مما يعني أن هذه التحويلات جاءت معظمها من السودانيين المقيمين في مصر؛ فالمقصود أساساً تحويلات المصريين العاملين بالخارج. لكن التجربة تظل دليلاً على أهمية السياسات النقدية والمصرفية في توجيه أموال المغتربين نحو الاقتصاد الرسمي.
وفي المقابل، أصبحت مصر إحدى أكبر وجهات السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وتشير تصريحات رسمية سودانية في يناير 2026 إلى وجود أكثر من خمسة ملايين سوداني في مصر، بينما تتحدث بيانات أممية عن أعداد كبيرة من الوافدين السودانيين منذ بداية النزاع.
وهنا تظهر فرصة اقتصادية غير مستغلة: مجتمع سوداني واسع في الخارج، لديه ارتباط يومي بأسرته ووطنه، ويمتلك خبرات ومدخرات وعلاقات تجارية، لكنه يحتاج إلى بيئة موثوقة حتى يتحول من مجرد مرسل للتحويلات العائلية إلى شريك في الاستثمار والإنتاج.
لماذا يهرب المغترب من القنوات المصرفية الرسمية؟
المشكلة ليست في غياب الرغبة الوطنية لدى المغترب، وإنما في غياب البيئة التي تجعل التحويل عبر الجهاز المصرفي السوداني خياراً مجدياً وآمناً. هناك مجموعة من الأسباب التي أسهمت في إضعاف الثقة بين المغتربين والمؤسسات المالية السودانية:
أولاً: الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي.
عندما يجد المغترب أن تحويل أمواله عبر القنوات الرسمية يمنحه مقابلاً أقل بكثير مما يمكن الحصول عليه في السوق الموازي، يصبح القرار اقتصادياً قبل أن يكون موقفاً وطنياً.
ولا يمكن مطالبة المغترب بالتضحية بجزء كبير من قيمة مدخراته دون تقديم حوافز حقيقية تعوضه عن ذلك.
ثانياً: ضعف الامتيازات والتسهيلات.
لم تنجح السياسات الحكومية في تقديم حزمة متكاملة من الامتيازات التي تجعل المغترب يشعر بأنه شريك مميز في الاقتصاد الوطني، سواء في مجال الاستثمار أو الإعفاءات أو الخدمات المصرفية أو الإجراءات الجمركية.
ثالثاً: تعدد أسعار الصرف واختلال السياسات النقدية.
إن وجود أكثر من سوق للنقد الأجنبي يضعف قدرة الجهاز المصرفي على استقطاب التحويلات، ويخلق بيئة تشجع التعامل خارج النظام الرسمي.
فالمغترب لا يبحث عن تعقيدات إضافية، وإنما عن سعر عادل وسرعة في التنفيذ وضمان وصول الأموال إلى مستحقيها.
رابعاً: ضعف الرقابة على التطبيقات والتحويلات المالية.
أدى توسع التعاملات الرقمية، في ظل ضعف الرقابة والتنظيم الفعال، إلى زيادة التحديات أمام الجهاز المصرفي.
والمطلوب ليس محاربة التكنولوجيا أو تقييد التحويلات، بل تنظيمها وضمان شفافيتها وربطها بمنظومة مالية رسمية قادرة على المنافسة. خامساً: غياب الضمانات الاستثمارية والردع القانوني.
تجارب الاستثمار السابقة، وما صاحب بعضها من تعقيدات إدارية وتأخر في الإجراءات ومخاوف بشأن حماية الحقوق، جعلت كثيراً من المغتربين أكثر حذراً في توظيف أموالهم داخل السودان.
ولا يمكن استقطاب مدخرات سنوات الغربة بخطابات وطنية وحدها، دون حماية قانونية واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ.
مبادرة الحكومة.. هل تنجح مدن الإنتاج الحيواني؟
في 21 أكتوبر 2026، استعرض قطاع التنمية الاقتصادية بمجلس الوزراء، برئاسة وزير المالية د. جبريل إبراهيم، برنامج الترويج الاستثماري وسط المغتربين السودانيين لدعم تمويل مدن الإنتاج الحيواني.
وتضمن البرنامج التأكيد على أهمية وضع آليات مالية ومصرفية لجذب المدخرات، وتقديم مشروعات استثمارية واضحة وشفافة ومجدية اقتصادياً، مع مراعاة قدرات السودانيين بالخارج، وطرح مشروعات صغيرة ومتوسطة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لوزارة الثروة الحيوانية والسمكية وإنشاء منصة إلكترونية للتعريف بالفرص الاستثمارية وتقديم الطلبات ومتابعتها.
من حيث الفكرة، يمثل هذا التوجه خطوة في الاتجاه الصحيح، خاصة أن الثروة الحيوانية من القطاعات التي يمكن أن توفر فرصاً كبيرة للتصدير والتشغيل وتحقيق عائدات من النقد الأجنبي.
لكن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة هو: هل تكفي منصة إلكترونية ومشروعات معلنة لإقناع مغترب فقد ثقته في البيئة الاستثمارية بتحويل مدخرات عمره إلى السودان؟
الإجابة تتطلب الانتقال من مرحلة الإعلان عن الفرص إلى مرحلة بناء الثقة وتقديم الضمانات وإثبات جدية الدولة في حماية المستثمر.
المغتربون ليسوا مجرد محفظة نقدية للحكومة
يرى الخبير الاقتصادي صلاح الإمام أن استعادة ثقة المغتربين تمثل المدخل الأساسي لزيادة التحويلات عبر بنك السودان المركزي والجهاز المصرفي.
ويشير إلى أن السودانيين بالخارج لعبوا دوراً استثنائياً خلال الحرب، إذ تحملوا أعباء أسرهم وأقاربهم ومجتمعاتهم المحلية، وأسهموا في احتواء آثار النزوح واللجوء من خلال شبكات التكافل الاجتماعي التي امتدت عبر الحدود.
ويطرح الإمام ضرورة توفير امتيازات حقيقية للمغتربين، وتسهيل تحويلاتهم إلى أسرهم بالعملة المحلية وفق سعر عادل، والعمل على توحيد سوق النقد الأجنبي، إلى جانب طرح مشروعات استثمارية وتجارية وخدمية مخصصة لهم.
كما يدعو إلى مراجعة السياسات الجمركية المتعلقة بسيارات المغتربين، بما يسمح لهم بالاستفادة من امتيازات مناسبة تقديراً لدورهم الوطني ومساهماتهم الاقتصادية.
وتكشف هذه الرؤية عن نقطة مهمة: المغترب لا ينبغي أن تتعامل معه الدولة باعتباره مصدراً للعملة الصعبة فقط، بل شريكاً اقتصادياً له حقوق ومصالح وتطلعات يجب أن تحترم.
من التحويلات الفردية إلى الشراكات الإنتاجية
أما الناشط المجتمعي رشيد الملح فيطرح رؤية تقوم على الانتقال من المدخرات الفردية إلى الشراكات الإنتاجية، معتبراً أن قوة المغتربين لا تكمن فقط في حجم الأموال التي يمتلكونها، وإنما في إمكانية تنظيم هذه الأموال داخل مشروعات جماعية توفر فرص العمل وتدعم الاقتصاد الوطني.
وهي فكرة تستحق أن تتحول إلى برنامج عملي، بحيث لا يقتصر دور المغترب على إرسال الأموال للاستهلاك الأسري، وإنما يمتد إلى المشاركة في تأسيس مشروعات زراعية وصناعية وخدمية وتجارية.
فبدلاً من أن يستثمر مئات السودانيين مدخراتهم بصورة منفردة في مشروعات صغيرة غير مترابطة، يمكن تأسيس صناديق استثمارية قطاعية، بمساهمات معلومة، وإدارة مهنية مستقلة، وقوائم مالية مدققة، وعوائد واضحة، ورقابة تضمن حقوق المساهمين.
كيف يمكن للسودان استعادة أموال المغتربين؟ إذا كانت الحكومة جادة في تحويل مدخرات السودانيين بالخارج إلى قوة اقتصادية، فإن المطلوب ليس إصدار مبادرات جديدة بقدر ما هو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمغترب من خلال إجراءات عملية:
1. توحيد سوق النقد الأجنبي: معالجة الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتوفير سعر تنافسي وعادل للتحويلات، بما يقلل دوافع اللجوء إلى السوق غير الرسمي.
2. إنشاء نافذة مصرفية للمغتربين: تتيح فتح الحسابات وإجراء التحويلات والاستثمار إلكترونياً، برسوم منخفضة وإجراءات مبسطة وسريعة.
3. إطلاق صندوق وطني لاستثمارات المغتربين: يخضع لرقابة مستقلة ومراجعة خارجية، ويوجه الأموال إلى قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.
4. تقديم امتيازات حقيقية: تشمل تسهيلات جمركية مدروسة، ومعاملة استثمارية تفضيلية، وإعفاءات محددة للمشروعات الإنتاجية، وخدمات مصرفية تناسب احتياجات المغتربين.
5. حماية المستثمر قانونياً: عبر عقود واضحة، وآليات تحكيم وتسوية للنزاعات، ونشر تقارير دورية عن أداء المشروعات والعوائد والمخاطر.
6. تنظيم التحويلات الرقمية: إخضاع التطبيقات والمنصات المالية للرقابة والشفافية، وربطها بالقطاع المصرفي، بدلاً من ترك السوق يتوسع بعيداً عن أدوات الدولة الرقابية.
7. البدء بمشروعات صغيرة ومتوسطة: لا ينبغي حصر الاستثمار في المشروعات العملاقة. فالمغترب الذي يمتلك بضعة آلاف من الدولارات يجب أن يجد فرصة استثمارية آمنة ومناسبة لقدراته، مثل مشروعات الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي والخدمات والتجارة.
8. إشراك المغتربين في صناعة القرار: من خلال مجالس استشارية وروابط مهنية واستثمارية في دول الاغتراب، تساهم في تصميم السياسات وتقييم المشروعات ومراقبة تنفيذها.
هل يمكن أن تسهم تحويلات المغتربين في إنقاذ الجنيه السوداني؟
من الناحية الاقتصادية، فإن زيادة تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية يمكن أن تعزز المعروض من النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، وتساعد في تمويل الواردات الضرورية، وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، ودعم استقرار سعر الصرف.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تحويلات المغتربين وحدها قادرة على إنقاذ الجنيه السوداني. فاستقرار العملة يحتاج أيضاً إلى زيادة الإنتاج والصادرات، وضبط الإنفاق العام، وتقليص العجز، وتحسين إدارة الموارد، واستعادة الثقة في المؤسسات المالية، ووقف مصادر تمويل الحرب والاختلالات الاقتصادية.
التحويلات يمكن أن تكون جزءاً مهماً من الحل، لكنها لن تصنع استقراراً دائماً إذا ظلت أسباب الأزمة قائمة.
الخلاصة.. من يستقطب المغتربين يكسب معركة الاقتصاد السودان لا تنقصه الموارد البشرية ولا الإمكانات ولا الأموال المتاحة لدى مواطنيه في الخارج، وإنما تنقصه السياسات القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى قوة إنتاجية منظمة.
لقد أثبت المغترب السوداني خلال الحرب أنه حاضر عندما يغيب الآخرون، وأن ارتباطه بأهله ووطنه أكبر من المسافات والحدود. لكن لا يجوز أن تستمر الدولة في مطالبة المغتربين بالتضحية دون أن تقدم لهم نموذجاً مختلفاً في الإدارة والشفافية وحماية الحقوق.
إن برنامج مدن الإنتاج الحيواني يمكن أن يكون بداية مهمة، لكنه يحتاج إلى ضمانات وتمويل منظم وإدارة احترافية وجدول زمني واضح، حتى لا يصبح مجرد مبادرة جديدة تنضم إلى قائمة المبادرات التي لم تغادر قاعات الاجتماعات.
والسؤال الذي ينبغي أن تواجه به الحكومة نفسها ليس: كم يملك السودانيون في الخارج من الأموال؟ بل: ماذا فعلت الدولة حتى تجعلهم يثقون في إيداع هذه الأموال واستثمارها داخل السودان؟
فالأوطان لا تستقطب مدخرات أبنائها بالشعارات، ولا تستعيد ثقتهم بالنداءات الوطنية وحدها؛ إنها تكسبهم بالعدالة والشفافية والامتيازات وحماية الحقوق.
السودانيون في الخارج ليسوا خزائن مفتوحة للحكومات، بل شركاء في بناء وطن يستحق أن يستثمروا فيه.



