ولاية النيل الأبيض... توزيع الموارد وضبط الإنفاق لمواجهة التضخم وعجز الموازنة

النيل الأبيض _ برودكاست نيوز
حقيق اقتصادي تكشف أرقام الأداء المالي لولاية النيل الأبيض خلال النصف الأول من عام 2026 عن مفارقة تستحق التوقف أمامها؛ ففي الوقت الذي تتجه فيه الحكومة الولائية إلى الدعوة لضبط الإنفاق وتنويع الموارد لمواجهة التضخم والعجز المالي، تجاوزت مصروفات محلية الجبلين مخصصاتها المعتمدة لتسجل 193%، مقابل 78% في كوستي و56% في الدويم.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد اختلاف في وتيرة الصرف بين المحليات، بل تفتح ملفاً أوسع يتعلق بكفاءة إدارة المال العام، وأولويات الإنفاق الحكومي، ومدى قدرة الموازنات المحلية على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والالتزامات المالية.
وبين توسع الإنفاق على المباني والطرق والمرافق العامة، وتدشين استثمارات صناعية وإنتاجية بمئات الملايين من الدولارات، تقف ولاية النيل الأبيض أمام معادلة اقتصادية صعبة: كيف يمكن تمويل التنمية وتحسين الخدمات، دون أن تتحول النفقات الحكومية إلى عبء إضافي على موازنة تعاني أصلاً من ضغوط التضخم والعجز؟
الجبلين تتجاوز الموازنة.. من أين جاءت الزيادة؟
وفق تقرير الأداء المالي الصادر عن وزارة المالية بولاية النيل الأبيض للنصف الأول من 2026، سجلت محلية الجبلين أعلى نسبة صرف بين محليات الولاية، بعدما بلغ الإنفاق الفعلي 454.6 مليون جنيه، مقابل مخصصات معتمدة تبلغ 235 مليون جنيه، أي بنسبة تنفيذ وصلت إلى 193%.
وتعني هذه الأرقام أن المحلية أنفقت ما يزيد على مخصصاتها بنحو 219.6 مليون جنيه، وهو تجاوز مالي يستدعي تفسيراً واضحاً من الجهات المختصة، خصوصاً فيما يتعلق بمصادر التمويل، وأسباب الزيادة، ومدى حصول المصروفات الإضافية على الموافقات القانونية والمالية اللازمة.
وتشير البيانات إلى أن الإنفاق شمل إنشاءات جديدة بمقر المحلية وبيت الضيافة ومكاتب الوحدات الإدارية، إلى جانب تأهيل المدارس والمستشفى والمرافق الرياضية وشبكات الكهرباء والطاقة الشمسية.
وبينما قد تكون بعض هذه المشروعات ضرورية لتحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما تم إنفاقه، بل بمدى الالتزام بالسقف المالي المعتمد، وما إذا كانت الزيادة قد ارتبطت بموارد إضافية أو اعتمادات تكميلية أم جرى الصرف خارج الإطار المخطط للموازنة.
كما أشار التقرير إلى ارتفاع الإنفاق الفعلي بنسبة 26% مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق، وهو ما يستدعي قراءة أسباب الزيادة في ضوء معدلات التضخم وتغير تكلفة تنفيذ المشروعات.
كوستي والدويم.. انضباط مالي أم بطء في تنفيذ المشروعات؟
على الجانب الآخر، أظهرت بيانات محلية كوستي صورة مختلفة؛ إذ بلغ الإنفاق الفعلي 610.2 مليون جنيه من أصل مخصصات معتمدة قدرها 786.3 مليون جنيه، بنسبة صرف بلغت 78%.
ورغم أن كوستي سجلت أكبر إنفاق فعلي بالقيمة المطلقة بين المحليات الثلاث، فإنها ظلت داخل حدود موازنتها المعتمدة خلال الفترة محل التقرير.
وتركز الإنفاق على تأهيل وإنشاء المباني والمنشآت، وردم وفتح الطرق، ومعالجة مجاري تصريف مياه الأمطار، وتنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية، وشراء المعدات والأثاث، فضلاً عن صيانة المركبات والجسور ووسائل التحصيل.
واستحوذت المنشآت والأعمال المرتبطة بالطرق والطوارئ على 240.6 مليون جنيه، مقابل 203.9 مليون جنيه لتأهيل المباني غير السكنية.
لكن اللافت أن الإنفاق الفعلي في كوستي ارتفع بنسبة 116% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وهي زيادة كبيرة تستحق التقييم من حيث أثرها الحقيقي على الخدمات والإنتاجية. أما محلية الدويم، فسجلت إنفاقاً بلغ 427.7 مليون جنيه من أصل موازنة معتمدة قدرها 759 مليون جنيه، بنسبة صرف تقارب 56%.
وتوزعت المصروفات بين تأهيل المدارس والمكاتب والمساجد، وصيانة الطرق، ومشروعات الطاقة الشمسية، وصيانة المركبات والتجهيزات التقنية.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل انخفاض نسبة الصرف في الدويم يعكس كفاءة في إدارة الموارد وترشيداً للإنفاق، أم أنه نتيجة بطء تنفيذ المشروعات وعدم القدرة على تحويل الاعتمادات المالية إلى خدمات ملموسة للمواطنين؟ فمعدلات الصرف المرتفعة ليست بالضرورة مؤشراً على النجاح، كما أن انخفاضها لا يعني تلقائياً تحقيق الانضباط المالي.
المعيار الحقيقي هو ما تحقق من خدمات ومشروعات مقارنة بالأموال التي أُنفقت. 7.54 مليار جنيه.. تمويل كامل للمشروعات وفي جانب آخر، كشف التقرير عن تمويل مشروعات حكومية بإجمالي بلغ 7.54 مليار جنيه سوداني، منها 6.97 مليار جنيه للمشروعات الأساسية، و567.8 مليون جنيه لقطاعات أخرى بالوزارة.
وأشار التقرير إلى تسجيل نسبة تنفيذ بلغت 100% للمشروعات المدرجة في الجدول المالي. وشملت المشروعات توفير الحواسيب والطابعات، وسداد أقساط المركبات، وتشييد الطابق الأول لمبنى الإدارة العامة للبترول، وتركيب أجهزة التحصيل الإلكتروني، وتوفير المعدات، وتأهيل مباني وزارة المالية، إلى جانب مشروعات المياه والمحليات.
ويمثل التمويل الإلكتروني وتطوير وسائل التحصيل خطوة مهمة في اتجاه تحسين الإيرادات وتقليل التسرب المالي، لكن نسبة التمويل البالغة 100% لا تعني بالضرورة اكتمال جميع المشروعات ميدانياً أو دخولها مرحلة التشغيل والاستفادة العامة. ومن هنا تبرز أهمية نشر تقارير الإنجاز المادي إلى جانب التقارير المالية، حتى يتمكن المواطن من معرفة ما إذا كانت المبالغ المصروفة قد تحولت بالفعل إلى منشآت وخدمات عاملة.
الاستثمارات الصناعية.. هل تتحول النيل الأبيض إلى مركز إنتاجي؟
بعيداً عن الإنفاق الحكومي، تقدم المشروعات الاستثمارية التي شهدتها الولاية مؤشرات على إمكانية توسيع قاعدتها الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الموارد المالية التقليدية. فقد شهدت النيل الأبيض تدشين مصنع سامكو للبلاستيك بمدينة كوستي، بطاقة إنتاجية تبلغ خمسة أطنان يومياً، واستثمار قدره 2.5 مليون دولار.
كما دخل مصنع التومات لتعبئة المواد الغذائية ضمن المشروعات الصناعية الجديدة، بطاقة تبلغ 15 طناً يومياً، واستثمار يصل إلى مليوني دولار. ويضاف إلى ذلك مجمع الضامر لصناعة الصادر، الذي يضم مصانع متخصصة في إنتاج زبدة الفول السوداني وصمغ الهشاب وتكرير الزيوت النباتية والأعلاف.
وفي محلية القطينة، برز مشروع عثمان سراج لصناعة الحديد والمعادن، باستثمارات تبلغ 120 مليون دولار، ووصلت نسبة تنفيذه إلى 92%، مع توفير 266 وظيفة.
أما في القطاع الزراعي والحيواني، فتبرز مشروعات البيضة الذهبية للدواجن بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 ألف بيضة يومياً، وشركة ديتاسي لإنتاج الكتاكيت والبيض بطاقة تصل إلى 12 ألف كتكوت يومياً.
وتكشف هذه المشروعات عن تنوع نسبي في القاعدة الاستثمارية للولاية، بين الصناعات التحويلية والغذائية والمعدنية والإنتاج الحيواني.
لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكن لهذه الاستثمارات أن تتحول إلى موارد مالية مستدامة للولاية؟ الإجابة لا تتعلق بحجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما بمدى اكتمال المشروعات ودخولها مرحلة الإنتاج التجاري، وحجم القيمة المضافة المحلية، والضرائب والرسوم التي ستعود إلى الخزانة العامة، والوظائف المستدامة التي ستوفرها.
كما أن نجاح هذه المشروعات يرتبط بتوفير الكهرباء والطرق والتمويل والخدمات اللوجستية، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وضمان استقرار البيئة الاقتصادية.
التضخم والعجز المالي.. الإنفاق وحده لا يصنع التنمية
في توصياته، دعا تقرير الأداء المالي إلى تنويع موارد الولاية، وضبط الإنفاق الحكومي، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني في تمويل التنمية.
وهي توصيات تعكس إدراكاً لحجم التحديات المالية التي تواجه الحكومة الولائية، خصوصاً في ظل التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل والتنفيذ وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية.
لكن تطبيق هذه التوصيات يتطلب الانتقال من مرحلة التوجيهات العامة إلى إصلاحات مالية وإدارية واضحة. فالتضخم لا تتم مواجهته بمجرد تقليل المصروفات، وإنما من خلال إدارة متوازنة للموارد، وتوسيع الإنتاج، وتقليل الاعتماد على التمويل غير المستدام، ورفع كفاءة الإنفاق العام.
كما أن معالجة العجز المالي تستدعي مراجعة بنود الصرف، وتحديد الأولويات، وتوجيه الموارد نحو المشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي الأعلى.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تكون هناك أولوية للصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق الزراعية ومشروعات الإنتاج، مع إخضاع الإنفاق الإداري والإنشائي لمعايير واضحة تضمن عدم مزاحمته للخدمات الأساسية.
ماذا تحتاج النيل الأبيض في المرحلة المقبلة؟ تكشف الأرقام عن ضرورة بناء نظام أكثر كفاءة لإدارة الموازنات المحلية، يقوم على الربط بين حجم الاعتمادات المالية ومستوى الإنجاز الفعلي.
ومن أبرز الخطوات المطلوبة:
أولاً: مراجعة تجاوزات الموازنات. تقديم تفسير مالي واضح لتجاوز محلية الجبلين نسبة الصرف المعتمدة، وتحديد مصادر تمويل الزيادة، ومدى قانونية الاعتمادات الإضافية.
ثانياً: اعتماد موازنة مرتبطة بالنتائج. لا يكفي قياس أداء المحليات بنسبة الأموال المصروفة، بل يجب قياس عدد المدارس التي جرى تأهيلها، والطرق التي تمت صيانتها، ومشروعات المياه والكهرباء التي دخلت الخدمة.
ثالثاً: توسيع الإيرادات الذاتية. الاستفادة من النشاط الصناعي والزراعي والتجاري، وتطوير أنظمة التحصيل الإلكتروني، ومراجعة الرسوم والموارد المحلية دون إرهاق المواطنين والمنتجين.
رابعاً: حماية الإنفاق الاجتماعي. إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية، وعدم السماح بتوسع الإنفاق الإداري على حساب احتياجات المواطنين.
خامساً: تحويل الاستثمارات إلى موارد حقيقية. متابعة المصانع والمشروعات المعلنة حتى مرحلة التشغيل والإنتاج، وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات واضحة للتشغيل والإنتاج والقيمة المضافة.
سادساً: تعزيز الرقابة والشفافية. نشر تقارير دورية عن الموازنة والإنفاق والمشروعات ونسب الإنجاز، وإتاحة المعلومات للرأي العام والمجالس التشريعية والجهات الرقابية.
الخلاصة.. من ينفق أكثر ليس بالضرورة من ينجز أكثر تضع أرقام النصف الأول من 2026 ولاية النيل الأبيض أمام اختبار حقيقي في إدارة المال العام. فمحلية الجبلين تجاوزت مخصصاتها بنسبة كبيرة، بينما حافظت كوستي على مستوى صرف أقل من سقفها المالي، وجاءت الدويم في المرتبة الثالثة من حيث نسبة التنفيذ.
وفي الوقت نفسه، تكشف المشروعات الصناعية والإنتاجية عن فرص اقتصادية يمكن أن تساعد الولاية في توسيع مواردها وتقليل الضغوط على الموازنة العامة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال المصروفة، ولا في عدد المشروعات التي جرى الإعلان عنها، بل في قدرة الحكومة على تحويل الإنفاق والاستثمارات إلى خدمات وفرص عمل وإنتاج وإيرادات مستدامة. إن النيل الأبيض لا تحتاج فقط إلى زيادة الإنفاق، بل إلى إنفاق أكثر كفاءة، ولا تحتاج فقط إلى جذب الاستثمارات، بل إلى استثمارات منتجة تعود فوائدها على المواطن والخزانة العامة. وفي ظل التضخم والعجز المالي، يصبح السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه حكومة الولاية: ليس كم أنفقنا؟ بل ماذا أنجزنا بكل جنيه أُنفق؟



