رجوع

تقنية

ابتكار ألماني يطور مكوّناً إلكترونياً يتعلم ويخزن المعلومات مثل الدماغ

محمد الحسينيبقلم محمد الحسينيموثق — نُشر 4 نوفمبر 2026

ابتكار ألماني في الإلكترونيات النانوية يمهد لتطوير حواسيب مستوحاة من آليات عمل الدماغ البشري.

ابتكار ألماني يقرّب الحواسيب من الدماغ البشري.. مكوّن إلكتروني يتعلم ويخزن المعلومات  

تقنية نانوية تجمع بين المعالجة والذاكرة والتكيف داخل مكوّن واحد، وتفتح آفاقاً جديدة أمام تطوير حواسيب مستوحاة من الدماغ وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. 

 في تطور علمي قد يرسم ملامح جديدة لمستقبل الحوسبة والذكاء الاصطناعي، نجح باحثون ألمان في تطوير مكوّن إلكتروني متناهي الصغر قادر على الجمع بين التحكم في التيار الكهربائي وتخزين المعلومات والاحتفاظ بآثار الإشارات السابقة، وهي خصائص تقرّب الإلكترونيات من بعض آليات التعلم والذاكرة في الدماغ البشري. 

 ويكتسب هذا الابتكار أهمية خاصة لأنه يقدم نموذجاً إلكترونياً لا يقتصر دوره على معالجة الإشارات، بل يستطيع أيضاً تغيير استجابته وفقاً للنشاط الكهربائي الذي تعرض له سابقاً، بما يمهد لتطوير جيل جديد من الحواسيب المستوحاة من الدماغ، والمعروفة باسم الحوسبة العصبية. 

 وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة باستهلاك الطاقة في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً النماذج الضخمة التي تحتاج إلى قدرات حسابية هائلة وعمليات متكررة لنقل البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة. 

 مكوّن إلكتروني بثلاث وظائف في نظام واحد 

 طوّر التقنية فريق بحثي من جامعة فورتسبورغ الألمانية، ضمن مجموعة التميز البحثي المشتركة بين جامعتي فورتسبورغ ودريسدن، المعروفة باسم «ctd.qmat».

  واعتمد الباحثون على مواد أكسيدية متقدمة تمتلك خصائص كهربائية يمكن التحكم فيها وتعديلها، ما أتاح دمج ثلاث وظائف إلكترونية مختلفة داخل بنية مادية واحدة. 

 ويقوم الابتكار على الجمع بين مادتين هما ألومينات اللانثانوم (LaAlO₃) وتيتانات السترونشيوم (SrTiO₃). ورغم أن كل مادة منهما عازلة للكهرباء بصورة منفردة، فإن وضعهما في تماس مباشر يؤدي إلى تشكّل طبقة فائقة الرقة موصلة للتيار عند الحد الفاصل بينهما.  

وتُعرف هذه الظاهرة علمياً باسم «غاز الإلكترونات شبه ثنائي الأبعاد»، حيث تتحرك الإلكترونات داخل منطقة محصورة بين المادتين، بما يسمح بإنشاء مسارات كهربائية مجهرية يمكن التحكم في خصائصها من خلال المعالجة الدقيقة للواجهة بين الطبقتين.  

كيف يستطيع المكوّن الإلكتروني التعلم من الإشارات السابقة؟  تكمن الفكرة الأساسية في قدرة الباحثين على تغيير الخصائص الكهربائية للمادة عبر التحفيز الكهربائي. 

 فعند تطبيق إشارات كهربائية محددة، تتحرك ذرات الأكسجين داخل البنية المادية، ما يؤدي إلى تغيير مقاومتها الكهربائية. ولا تختفي آثار هذه التغيرات مباشرة، بل يمكن أن تحتفظ المادة بجزء من تأثير الإشارات السابقة. 

 وهذا يعني أن المكوّن يستطيع إظهار استجابات مختلفة وفقاً لتاريخ التحفيز الكهربائي الذي تعرض له، وهي خاصية تشبه من بعض الجوانب آليات تقوية الروابط بين الخلايا العصبية في الدماغ البشري.

  وأظهرت التجارب أن البنية الإلكترونية نفسها تستطيع أداء ثلاث وظائف مختلفة، بحسب طريقة توصيلها وتشغيلها، دون الحاجة إلى بناء ثلاثة مكونات منفصلة. 

 ترانزستور وميمريستور وميمكاباسيتور.. كيف تعمل التقنية؟ 

 تتمثل الوظيفة الأولى في عمل المكوّن بوصفه ترانزستوراً، وهو عنصر إلكتروني أساسي يتحكم في مرور التيار الكهربائي داخل الدوائر.  أما الوظيفة الثانية فتتمثل في أداء دور «الميمريستور» (Memristor)، وهو عنصر إلكتروني تتغير مقاومته وفقاً للإشارات الكهربائية السابقة، ويمكن الاستفادة من هذه التغيرات في تخزين المعلومات. 

 وتتمثل الوظيفة الثالثة في محاكاة سلوك «الميمكاباسيتور» (Memcapacitor)، الذي تتغير قدرته على تخزين الشحنة الكهربائية تبعاً لحالته السابقة.  

ويعني الجمع بين هذه الخصائص أن المكوّن الواحد يستطيع التحكم في الإشارات الكهربائية، والاحتفاظ بالمعلومات، والاستجابة بطريقة تتأثر بتجاربه الكهربائية السابقة.

  وهذه الإمكانات قد تساعد مستقبلاً في تصميم دوائر إلكترونية أكثر تكاملاً، خصوصاً تلك المستخدمة في تشغيل الشبكات العصبية الاصطناعية. 

 لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى حواسيب مستوحاة من الدماغ؟

  تعتمد الحواسيب التقليدية على فصل وحدات المعالجة عن وحدات تخزين البيانات، وهو تصميم يفرض حركة مستمرة للمعلومات بين أجزاء النظام، ويستهلك قدراً كبيراً من الطاقة، خصوصاً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.  

أما الحوسبة المستوحاة من الدماغ فتسعى إلى تجاوز هذا الفصل من خلال دمج المعالجة والذاكرة داخل المكونات الإلكترونية نفسها، بحيث تتم العمليات الحسابية بالقرب من البيانات أو داخل موضع تخزينها.  

ويحاكي هذا الاتجاه بعض خصائص الدماغ البشري، الذي لا يعتمد على وحدات منفصلة تماماً للتخزين والمعالجة، بل يستخدم شبكة مترابطة من الخلايا العصبية والوصلات بينها لمعالجة المعلومات وتكوين الذكريات والتعلم من التجارب.  

وتُعرف إحدى أهم هذه الخصائص باسم «المرونة العصبية»، وهي قدرة الوصلات العصبية على تغيير قوة ارتباطها استجابة للنشاط المتكرر، بما يساعد على التعلم وتكوين الذاكرة.  

ومن هنا تبرز أهمية المكوّن الألماني الجديد، إذ يقدم نموذجاً مادياً يمكنه الاحتفاظ بآثار النشاط الكهربائي السابق، بدلاً من التعامل مع كل إشارة باعتبارها حدثاً منفصلاً.

  تطبيقات محتملة تتجاوز الحواسيب والذكاء الاصطناعي 

 لا تقتصر أهمية الابتكار على تطوير معالجات أكثر كفاءة، بل قد تمتد مستقبلاً إلى مجموعة من التطبيقات الإلكترونية والطبية، خصوصاً الأجهزة القابلة للارتداء والمستشعرات الذكية.  

ومن بين الاستخدامات المحتملة تطوير مستشعرات تستطيع معالجة الإشارات الحيوية محلياً والتكيف مع التغيرات التي ترصدها، بما قد يدعم مراقبة مؤشرات مثل معدل ضربات القلب ودرجة الحرارة ومستويات الأكسجين في الدم. 

 كما يمكن أن تسهم هذه التقنية في تقليل الحاجة إلى نقل البيانات بصورة مستمرة إلى وحدات معالجة خارجية، وهو ما قد يساعد على خفض استهلاك الطاقة وتحسين كفاءة الأجهزة الصغيرة.  

ومع ذلك، فإن هذه التطبيقات لا تزال ضمن الآفاق البحثية المستقبلية، ولا تعني أن التقنية أصبحت بالفعل نظاماً طبياً جاهزاً أو حاسوباً ذكياً قادراً على التعلم بمستوى الدماغ البشري. 

 خطوة جديدة نحو مستقبل الحوسبة العصبية  يمثل تطوير هذا المكوّن الإلكتروني تقدماً مهماً في أبحاث المواد الأكسيدية والإلكترونيات النانوية، خصوصاً أنه يثبت إمكانية جمع وظائف متعددة داخل منصة مادية واحدة، مع الاستفادة من التغيرات الكهربائية في تخزين آثار الإشارات السابقة. 

 وتكمن القيمة المستقبلية للاكتشاف في إمكانية الانتقال من الحواسيب التي تنفذ التعليمات وتعالج البيانات وفق بنية تقليدية، إلى أنظمة إلكترونية أكثر قدرة على التكيف مع المعلومات التي تتلقاها، وباستهلاك أقل للطاقة. 

 ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى تطبيقات تجارية واسعة النطاق، فإن الابتكار الألماني يضيف خطوة جديدة إلى سباق تطوير حواسيب تحاكي بعض آليات الدماغ البشري، وقد يصبح أحد الأسس العلمية لتصميم أجهزة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

ابتكار ألمانيالحواسيب المستوحاة من الدماغمكوّن إلكتروني يتعلمالحوسبة العصبيةالذكاء الاصطناعيالإلكترونيات النانويةتخزين المعلوماتالميمريستورالميمكاباسيتورجامعة فورتسبورغ

اقرأ أيضاً