منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تحولت مصر إلى الوجهة الأولى للسودانيين الفارين من جحيم القتال. تشير أحدث التقديرات إلى أن أعداد السودانيين في مصر تتراوح بين 4 إلى 6 ملايين شخص، بينهم حوالي 1.5 مليون لاجئ وطالب لجوء وصلوا بعد اندلاع النزاع. خلف هذه الأرقام الضخمة، ثمة قصص إنسانية معقدة، وأحلام مؤجلة، ومعاناة يومية تتكشف تفاصيلها بصمت بعيداً عن عدسات الكاميرات.

موجات نزوح متتالية وأرقام تفوق التوقعات
قبل الحرب، كان السودانيون يشكلون بالفعل إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في مصر. لكن ما حدث بعد أبريل 2023 كان استثنائياً بكل المقاييس. ففي غضون ثلاث سنوات فقط، ارتفع إجمالي عدد اللاجئين في مصر من 300 ألف إلى أكثر من 1.1 مليون شخص، يشكل السودانيون منهم حوالي 75% من إجمالي اللاجئين في البلاد.
هذا التدفق الهائل شكل ضغطاً غير مسبوق على البنية التحتية والخدمات والموارد المتاحة، ليس فقط على الدولة المصرية، بل أيضاً على المنظمات الإنسانية الدولية التي وجدت نفسها عاجزة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.
معركة البقاء اليومية: الطعام أم التعليم؟
وراء كل رقم قصة إنسانية. قصة “نوال”، الأرملة التي ترعى ستة أطفال بعد أن فرت بهم من السودان، تختصر مأساة آلاف الأسر. تعمل نوال بدوام جزئي وتتلقى مساعدة نقدية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تبلغ حوالي 1530 جنيهاً مصرياً (29 دولاراً) شهرياً. هذا المبلغ لا يكفي لتغطية الإيجار والطعام والرعاية الصحية، ناهيك عن التعليم.
تقول كريستين بشاي، المتحدثة باسم المفوضية في مصر: “عندما يتوقف الدعم، تُجبر الأم على اتخاذ قرارات صعبة للغاية: هل تطعم أطفالها أم ترسلهم إلى المدرسة؟”. نوال لم تستطع تسجيل سوى ثلاثة من أطفالها الستة في المدرسة، بينما اضطر ابنها الأكبر لترك الدراسة لرعاية إخوته أثناء عملها.
هذه المعضلة اليومية أصبحت واقعاً مريراً لآلاف الأسر السودانية في مصر. فبينما ارتفع عدد اللاجئين بشكل كبير، ظلت مستويات التمويل الإنساني ثابتة تقريباً عند مستويات ما قبل الحرب، مما أدى إلى انخفاض حصة الفرد من المساعدات من 11 دولاراً إلى 4 دولارات فقط شهرياً.
برامج مساعدات مهددة بالتوقف
الوضع يزداد خطورة مع تهديد برامج المساعدات النقدية بالتوقف الكامل. فبرنامج المساعدات النقدية الذي تديره المفوضية لم يتلق سوى 2% من التمويل المطلوب، مما أدى إلى تقليص عدد الأسر المستفيدة إلى أكثر من النصف. وتحذر المفوضية من أن البرنامج قد يضطر للإغلاق بالكامل في غضون أسابيع إذا لم يصل تمويل إضافي.
هذا التهديد سيكون له تأثير مدمر بشكل خاص على الأسر التي تعيلها نساء، والتي تشكل الغالبية العظمى من المستفيدين من البرنامج. فمعظم هؤلاء النساء لديهن أطفال في سن الدراسة، وإذا توقف الدعم، فلن يتمكنّ من توفير الغذاء أو التعليم.
تحديات قانونية وتضييق على الحريات
لم تقتصر معاناة السودانيين في مصر على الجوانب الاقتصادية والإنسانية، بل امتدت لتشمل تحديات قانونية وأمنية متزايدة. ففي ديسمبر 2024، صدقت مصر على قانون لجوء جديد ينقل مسؤوليات تسجيل اللاجئين من المفوضية إلى الحكومة المصرية. ورغم أن القانون يتضمن أحكاماً للرعاية الصحية والتعليم، إلا أنه أثار مخاوف بشأن الحماية والحرية الشخصية.
وفي سبتمبر 2025، صدر قانون عمل جديد ينص على ضرورة حصول الأجانب على تصريح عمل قبل دخول البلاد، مما يعني أن العديد من اللاجئين غير المسجلين سيبقون غير قادرين على الحصول على عمل قانوني.
ازداد الوضع سوءاً مع حملات الاعتقال والترحيل التي بدأت في ديسمبر 2025، والتي استهدفت مئات السودانيين. وتشير تقارير إلى أن السلطات المصرية قامت بترحيل 578 لاجئاً سودانياً بحلول يناير 2026، في خطوة قالت منظمة العفو الدولية إنها تنتهك قانون اللجوء الذي أقرته مصر نفسها.
من جهته، نفى السفير السوداني في القاهرة عماد الدين العدوي صحة الادعاءات بأن الحكومة السودانية طلبت فرض قيود على السودانيين في مصر، مشيراً إلى أن الإجراءات المصرية تستهدف الوجود الأجنبي ككل وليس السودانيين تحديداً. وقدر السفير عدد السودانيين في مصر بنحو 6 ملايين شخص، داعياً إياهم إلى الالتزام بقوانين الهجرة المصرية.
استثمارات بمليارات الدولارات وسط واقع معقد
في خضم هذه التحديات الإنسانية، ثمة وجه آخر للوجود السوداني في مصر يتمثل في استثمارات ضخمة. فقد ارتفع حجم الاستثمارات العقارية السودانية في مصر إلى حوالي 40 مليار دولار، مقارنة بـ 23 مليار دولار قبل الحرب.
وانتقلت العديد من المصانع السودانية إلى مصر، حيث أنشأت خطوط إنتاج وأصبحت تصدر منتجاتها إلى السودان. ويقول عباس علي السيد، الأمين العام لاتحاد الصناعات السودانية، إن عودة هذه المصانع إلى السودان يعتمد على توفر سياسات محلية واضحة وبنية تحتية مناسبة، خاصة فيما يتعلق بالكهرباء للمناطق الصناعية.
لكن السيد انتقد أيضاً تعقيدات الإقامة والرسوم المطلوبة، مشيراً إلى أن بعض السودانيين يدفعون ما يصل إلى 3000 دولار كـ”رشاوى” للحصول على تأشيرات، واصفاً الوضع بأنه “مخجل ومزعج”.
أمل يولد من رحم المعاناة
وسط هذه الصورة القاتمة، هناك قصص نجاح وأمل تستحق أن تروى. قصة أحمد داوود، اللاجئ السوداني الذي فقد وظيفته في مركز اتصالات بعد حادث تسبب له بإعاقة سمعية، هي واحدة من هذه القصص الملهمة.
رفض أحمد الاستسلام، وعمل في محل سوداني لبيع القهوة والتوابل، حيث تعلم أسرار المهنة خطوة بخطوة. عندما قرر صاحب المحل إغلاقه، خاطر أحمد واستأجر المكان وأدار العمل بنفسه. ومن خلال مشروع “بدايات” الذي تنفذه منظمة “إتجاة” بالشراكة مع المفوضية، تلقى أحمد تدريباً ودعماً تجارياً مكنه من تطوير مشروعه الصغير.
يقول أحمد: “عندما لم أتوقع ذلك، تلقيت مكالمة غيرت حياتي للأفضل”. اليوم، تحول متجره المتواضع إلى مكان موثوق في الحي، يخدم الزبائن السودانيين ويجذب تدريجياً زبائن من جنسيات أخرى.
جهود إنسانية تملأ الفراغ
تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً حيوياً في سد الفجوة التي خلفها نقص التمويل الدولي. منظمة “كاريتاس مصر“، على سبيل المثال، وسعت استجابتها الطارئة طوال عام 2025 وتواصل تقديم خدماتها في مجالات الصحة وسبل العيش والحماية.
تقول هبة سمرة، مديرة برنامج الصحة في كاريتاس مصر: “في سبتمبر 2025 وحده، تلقى أكثر من 1000 شخص رعاية طبية من خلال كاريتاس”. لكنها تشير إلى تحدٍ إضافي يتمثل في مركزية تسجيل اللاجئين في القاهرة، مما يعني أن الوافدين الجدد عبر أسوان، والذين يصلون غالباً وهم منهكون ويعانون من سوء التغذية، يضطرون للسفر لأكثر من 900 كيلومتر لإكمال عملية التسجيل.
نتيجة لذلك، يبقى الكثيرون غير مسجلين، وبالتالي غير مرئيين لنظام المساعدات الرسمي. في هذا الفراغ، تمثل توزيعات الغذاء والعيادات المتنقلة التي تقدمها كاريتاس وغيرها من المنظمات خدمات منقذة للحياة في المناطق الأكثر احتياجاً.
نساء في مواجهة الخطر
تواجه النساء والفتيات السودانيات في مصر تحديات خاصة. فحوالي 55% من الوافدين السودانيين هم من النساء والفتيات، وكثيرات منهن تعرضن للعنف والتحرش الجنسي أثناء رحلة الهروب من السودان. وفي مصر، يواجهن مخاطر إضافية تشمل التحرش والسكن غير الآمن والعنف المنزلي.
الخوف من الترحيل يمنع العديد من النساء من طلب المساعدة من الشرطة أو الجهات القانونية. كما يعانين من صعوبة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والدعم النفسي والقانوني، مما يترك الناجيات من العنف الجنسي دون مساعدة متخصصة. وتواجه الكثيرات منهن أيضاً وصمة عار وحواجز قانونية تحول دون حصولهن على خدمات الإجهاض الآمن وتسجيل أطفالهن.
نظرة إلى المستقبل
رغم التحديات الهائلة، يعمل السودانيون في مصر على بناء حياة جديدة بكل ما أوتوا من عزيمة. فمن خلال برامج التدريب المهني، تم تقديم أكثر من 100 دورة تدريبية في مجالات مثل صيانة التبريد والخياطة والمهارات العملية الأخرى، استفاد منها أكثر من 1000 شخص في عام 2025 وحده.
ويبقى الأمل في أن تعود الأوضاع في السودان إلى طبيعتها، ليتمكن اللاجئون من العودة الطوعية بكرامة وأمان. وحتى ذلك الحين، يستمر السودانيون في مصر في معركتهم اليومية من أجل البقاء، متمسكين بحلم العودة إلى وطن يسوده السلام.
أسئلة شائعة عن السودانيون في مصر
كم عدد السودانيين في مصر حالياً؟
تشير التقديرات إلى أن عدد السودانيين في مصر يتراوح بين 4 إلى 6 ملايين شخص، بينهم حوالي 1.5 مليون لاجئ وطالب لجوء وصلوا بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه السودانيين في مصر؟
تشمل التحديات الرئيسية نقص التمويل الإنساني، صعوبة الحصول على تصاريح العمل والإقامة القانونية، محدودية فرص التعليم للأطفال، والتمييز في بعض الأحيان. كما يواجه الكثيرون صعوبات في تلبية الاحتياجات الأساسية كالغذاء والسكن والرعاية الصحية.
هل يستطيع الأطفال السودانيون الذهاب إلى المدارس في مصر؟
نعم، يمكن للأطفال السودانيين الالتحاق بالمدارس في مصر، لكن الكثير من الأسر تجد صعوبة في تحمل تكاليف التعليم. وحسب تقارير المفوضية، فإن بعض الأسر تضطر للاختيار بين توفير الطعام أو دفع الرسوم المدرسية.
ما هو وضع الاستثمارات السودانية في مصر؟
ارتفع حجم الاستثمارات العقارية السودانية في مصر إلى حوالي 40 مليار دولار. كما انتقلت العديد من المصانع السودانية للعمل في مصر وتصدر منتجاتها إلى السودان.
هل هناك برامج مساعدات متاحة السودانيون في مصر؟
نعم، تقدم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات أخرى مساعدات تشمل الدعم النقدي والرعاية الصحية والتعليم والدعم النفسي. لكن هذه البرامج تعاني من نقص حاد في التمويل، مما يهدد استمراريتها.



