محمد الحسيني يكتب … ناجي وهبنقة … الحماقة التي أعيت من يداويها
ليست كل الأزمات التي تمر بها الأوطان وليدة مؤامرات الخارج وحده، فكثيراً ما تُفتح الأبواب للأعداء من الداخل، لا عن قصدٍ بالضرورة، ولكن عن جهلٍ وحماقةٍ وسوء تقدير. وما حدث أخيراً من إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على تصنيف الإخوان المسلمين في السودان جماعة إرهابية، يكشف بوضوح كيف يمكن لمواقف فردية طائشة أن تتحول إلى ذريعة سياسية تدفع شعباً بأكمله ثمنها.
فالولايات المتحدة لم تكن يوماً بعيدة عن هذا الهدف. فمنذ سنوات وهي تسعى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى ربط الحركة الإسلامية السودانية بالإرهاب، وإدخالها في ذات القوائم التي أدرجت فيها حركات وتنظيمات أخرى في المنطقة. لكن هذه المحاولات كانت تصطدم دائماً بواقع مختلف؛ فالحركة الإسلامية في السودان، رغم ما يُقال عنها أو يُختلف حوله سياسياً، عُرفت تاريخياً بنهجها الوسطى المعتدل وابتعادها عن مسارات التطرف والعنف .
غير أن بعض الأصوات التي خرجت في الآونة الأخيرة، متحدثةً وكأنها جزء من الجيش السوداني أو مدعيةً التعبير عن موقف الشعب السوداني، ذهبت بعيداً في إطلاق تصريحات ومواقف مؤيدة لإيران في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهي مواقف فردية لا تعبر عن مؤسسات الدولة ولا عن الجيش السوداني، ولا حتى عن غالبية التيار الإسلامي نفسه. لكن مثل هذه التصريحات كانت كافية لتقدم لواشنطن ما كانت تبحث عنه منذ سنوات: ذريعة سياسية جاهزة لتبرير قرار كانت تريده سلفاً.
وهنا تكمن المأساة. فبدلاً من أن تُغلق هذه الثغرات أمام الولايات المتحدة الأمريكية بحكمة ومسؤولية، خرج علينا من يتحدث وكأنه الناطق الرسمي باسم السودان كله، فينصّب نفسه بتصريحاته الهوجاء معلماً للناس في المواقف والاصطفافات، ويخاطب العالم بلغة لا تقدّر عواقبها ولا تدرك ما يمكن أن تجرّه من ويلات على بلدٍ مثخن بالجراح أصلاً. وهكذا تحولت كلمات غير محسوبة إلى هدية مجانية قُدمت للإدارة الأمريكية، لتستخدمها في تبرير قرارها وتمسح بها إخفاقاتها وهزائمها في حربها ضد إيران .
إن المشكلة الكبرى التي يعاني منها السودان اليوم ليست فقط في ضغوط الخارج، بل في هذه الفئة التي تتحدث باسم الوطنية والوطن بينما تفتح – من حيث تدري أو لا تدري – نوافذ يدخل منها الخصوم. فكم من شخص يرفع صوته بالغيرة على الوطن، لكنه في الحقيقة لا يفعل سوى إضعافه، وكم من خطابٍ متحمسٍ ظاهره الحمية وباطنه الحماقة السياسية.
لقد ظل بعض العملاء وأعداء السودان، لسنوات طويلة، يعملون على ربط الحركة الإسلامية السودانية بمؤسسات الدولة، بالتحكم في مفاصلها وتصويرها وكأنها الكيان الذي يدير السودان كله. وهو ادعاء ظل الواقع يدحضه مراراً. لكن المؤسف أن بعض أبناء السودان أنفسهم ساهموا في ترسيخ هذه الصورة، حين خلطوا بين آرائهم الشخصية ومواقف الدولة، وحين تحدثوا باندفاعٍ منح الآخرين ما لم يستطيعوا انتزاعه بالحجج.
وهنا تحضر الحكمة العربية القديمة: “الحماقة أعيت من يداويها.”
وفي تراثنا الشعبي مثال شهير هو هبنقة، الذي صار رمزاً للحماقة في الثقافة العربية. لكن لو قُدر لهبنقة أن يعيش بيننا اليوم، ربما لوقف حائراً أمام هذا السيل من التصريحات المتعجلة والمواقف غير المحسوبة، حتى ليشكو من كثرة الحمقى الذين تجاوزوه حماقةً وطيشاً.



