طلحة جبريل… سوداني الهوية، مغربي الهوى وعلامة مضيئة في تاريخ الصحافة بالمملكة
بقلم / محمد الحسيني
في المشهد الإعلامي المغربي، يبرز اسم الصحفي السوداني طلحة جبريل كأحد الأسماء التي تركت أثراً عميقاً ودائماً، ليس فقط بحضوره المهني، بل بما راكمه من تجربة إنسانية وثقافية جعلته جسراً حقيقياً بين السودان والمغرب، وعلامة فارقة في تاريخ الصحافة بالمملكة المغربية.
ينتمي طلحة جبريل إلى جيل الصحفيين العرب الذين تشكّلت رؤيتهم المهنية في بيئات متعددة، فحملوا الصحافة كرسالة قبل أن تكون مهنة. اشتغل سابقاً في صحيفة الشرق الأوسط، إحدى أبرز الصحف العالمية، كما عمل مراسلاً صحافياً من منطقة المغرب العربي لعدد من الصحف ووكالات الأنباء الإذاعات العالمية ، ما أتاح له الإحاطة الدقيقة بتعقيدات المشهد السياسي والثقافي والإجتماعي في المنطقة، وصقل لديه حسّ المراسل المحترف وصحافة الوكالة التي تقوم على الدقة والسرعة والموضوعية.
في المغرب، لم يكن طلحة جبريل مجرد صحفي وافد، بل أصبح فاعلاً أساسياً في الحقل الإعلامي. درس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، واشتغل أستاذاً في الصحافة الاستقصائية، وتقنيات الكتابة الصحفية، والصحافة الإلكترونية، مساهماً في صناعة أجيال من الصحفيين المغاربة، ما زالوا بتسلحون بخبرته العربية والدولية بروح أكاديمية ومهنية عالية.
وتُحسب له تجربة مميزة في الإدارة والتحرير، إذ تولّى رئاسة تحرير خمس صحف مغربية، أشرف على تأسيس ثلاث منها هي: الصباح، والجمهور، والعاصمة بوست، وهي صحف شكّلت في وقتها إضافة نوعية للمشهد الإعلامي المغربي، وبعضها لا يزال يصدر إلى اليوم بعد ما يقارب ربع قرن، في شهادة حية على متانة المشروع المهني الذي قاده طلحة جبريل ، وعلى قدرته على بناء مؤسسات صحفية لا تقوم على الأشخاص بل على الفكرة والاستمرارية.
وجد طلحة جبريل في المغرب بيئة رحبة احتضنته ومنحته الإحساس بالأمان والانتماء، حتى كأن المجتمع المغربي تبنّاه ابناً له. تعمّقت هذه العلاقة إنسانياً واجتماعيا بزواجه من مغربية، فأصبح له أبناء مغاربة، ما عزز ارتباطه الوجداني بالمملكة. ومع ذلك، ظل يؤكد في كل مناسبة أنه لا يحمل سوى جواز سفره السوداني، معتبراً أن الجواز «هوية لا يمكن المساومة عليها، وأن الوطن، حتى وإن قسا، لا يُخون». في هذا التوازن الإنساني، يرى أن السودان وطن الجذور والذاكرة، بينما كان المغرب الوطن الذي احتضنه ومنحه شعور النجاح والاحتواء.
بهذه الروح، لعب طلحة جبريل دور السفير السوداني غير الرسمي في المغرب العربي، حاملاً صورة السودان وثقافته وهمومه إلى الفضاء المغربي، وفي الوقت ذاته ناقلاً التجربة المغربية إلى الفضاء السوداني والعربي. وبمرور السنوات، أصبح اسمه مألوفاً في الوسط الإعلامي المغربي، إلى حدّ يكاد لا يخلو مجلس صحفي أو ثقافي من معرفة به أو الإشارة إلى تجربته أو الحديث عن أمجاده.
إن الحديث عن طلحة جبريل هو حديث عن صحفي جمع بين المهنية والوفاء، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني، فاستحق أن يكون اسماً حاضراً في ذاكرة الصحافة المغربية، وصورة مشرّفة للصحفي السوداني في المهجر، وتجسيداً لمعنى أن تكون الصحافة جسراً بين الأوطان لا جداراً بينها.



