إلى أين تتجه الحرب؟ سماء السودان تشتعل بـ"المسيّرات" من العاصمة إلى أعماق دارفور

لم تعد الحرب في السودان تُحسم بالدبابات والمشاة وحدها. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع، انتقل ثقل المواجهة تدريجياً إلى السماء، حيث باتت الطائرات المسيّرة المسلّحة السلاح الأبرز في المشهد، وأكثر ما يثير القلق على حياة المدنيين. وخلال أكتوبر الجاري اتسعت رقعة هذه الهجمات لتشمل الخرطوم والنيل الأبيض والقضارف وغرب كردفان ودارفور، إلى جانب قصف سوق النعام في منطقة أبيي. وفي هذا المقال نحاول فهم دلالات هذا التحول، وأثره على الأطفال والنازحين، وما ينتظر البلاد إذا استمر التصعيد.
هجمات المسيّرات في السودان: من الخرطوم إلى دارفور
يكشف اتساع الجغرافيا المستهدفة عن تغيّر في طبيعة الصراع. فالمسيّرات لا تحتاج إلى خطوط إمداد برية ولا إلى سيطرة ميدانية، ما يتيح لمن يملكها ضرب أهداف بعيدة بتكلفة منخفضة نسبياً. وهكذا انتقلت الضربات من العاصمة إلى ولايات الوسط والشرق وكردفان ثم دارفور، لتصبح الحرب أقل ارتباطاً بالجبهات التقليدية وأكثر امتداداً داخل المدن والبلدات والمخيمات.
ويثير هذا النمط مخاوف جدية، لأن التراجع النسبي في المعارك البرية لم ينعكس هدوءاً على حياة السكان، بل رافقه ازدياد في الخطر القادم من الأعلى.
مقتل 12 طفلاً في السودان: حصيلة يونيسف الأخيرة
أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» مقتل 12 طفلاً خلال أيام في هجومين منفصلين. وجاءت الحصيلة الأكبر في مخيم للعائلات النازحة شرقي مدينة سناكيت بولاية غرب كردفان، حيث أودى هجوم وقع في 17 أكتوبر بحياة تسعة أطفال تتراوح أعمارهم بين خمس وعشر سنوات، بينهم أربع فتيات وخمسة أولاد.
وفي الخرطوم، أصابت طائرة مسيّرة مسلّحة منطقة سكنية الاثنين، فقتلت ثلاثة أطفال، فتاتين وصبياً، تراوحت أعمارهم بين عامين وستة أعوام، إضافة إلى والدهم. وتعكس هذه الأرقام أن الأحياء السكنية ومخيمات النزوح لم تعد تؤمّن الحد الأدنى من الأمان.
مخيمات النزوح في السودان: هل بقي مكان آمن للمدنيين
قالت أنجيلا كيرني، القائمة بأعمال ممثل يونيسف في السودان، إن الأسر تحاول حماية أطفالها إما بالنزوح بعيداً عن مناطق الخطر أو بالعودة إلى منازلها، لكن أياً من الخيارين لم يعد يضمن السلامة. فالأطفال الذين قُتلوا في غرب كردفان كانوا في مخيم احتمت به أسرهم من العنف، أما الذين قُتلوا في الخرطوم فقد لقوا حتفهم داخل حيّهم السكني.
وهذه المفارقة تلخّص مأساة المدنيين: فمن يفرّ من القتال قد يجد الخطر في الملجأ، ومن يعود إلى بيته قد يواجهه هناك. وحين تتحول أماكن الإيواء ومراكز الخدمات إلى أهداف محتملة، تتضاعف الأعباء الإنسانية على أسر أنهكها النزوح المتكرر.
القانون الدولي الإنساني وحماية الأطفال في النزاعات المسلحة
شددت يونيسف على ضرورة التزام أطراف النزاع بأحكام القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ويحظر استهداف المنشآت المدنية ومراكز إيواء النازحين. وأكدت المنظمة أن سلامة الأطفال يجب أن تبقى أولوية في جميع الظروف، وأن حمايتهم واجبة «أينما كانوا وفي جميع الأوقات».
ويرى مراقبون أن تكرار الهجمات على مواقع مدنية يستدعي تحقيقات مستقلة ومساءلة واضحة، وإلا استمر الإفلات من العقاب في تغذية دائرة العنف.
مستقبل الحرب في السودان: السيناريوهات المحتملة
تشير المعطيات الحالية إلى عدة مسارات محتملة:
- استمرار التصعيد الجوي: مع رخص تكلفة المسيّرات وسهولة استخدامها، قد تتوسع الضربات لتطال مزيداً من الولايات.
- تعميق الأزمة الإنسانية: استهداف المخيمات والمنشآت الخدمية يزيد صعوبة وصول المساعدات ويرفع أعداد النازحين.
- ضغوط دولية متزايدة: قد تدفع حصائل الضحايا من الأطفال نحو تحركات أممية ودبلوماسية أكثر إلحاحاً لوقف الأعمال العدائية.
وفي كل الأحوال، لا يبدو أن الحل العسكري قادر على إنهاء الحرب، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
الأسئلة الشائعة
ما الذي يميّز الحرب الحالية في السودان؟اتساع استخدام الطائرات المسيّرة المسلّحة، التي أتاحت ضرب أهداف بعيدة عن خطوط القتال التقليدية.
كم عدد الأطفال الذين قُتلوا في هجمات المسيّرات الأخيرة؟أعلنت يونيسف مقتل 12 طفلاً خلال أيام: تسعة في مخيم للنازحين قرب سناكيت بغرب كردفان، وثلاثة في الخرطوم.
ما المناطق السودانية التي طالتها المسيّرات في أكتوبر؟الخرطوم والنيل الأبيض والقضارف وغرب كردفان وإقليم دارفور، إضافة إلى سوق النعام بمنطقة أبيي.
هل مخيمات النزوح في السودان آمنة؟بحسب يونيسف، لم تعد كذلك، إذ باتت الأماكن التي تلجأ إليها الأسر عرضة للهجمات.
ماذا تطالب الأمم المتحدة أطراف النزاع في السودان؟التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية، وجعل سلامة الأطفال أولوية.
خاتمة
تكشف الأحداث الأخيرة أن السودان يدخل مرحلة أشد خطورة، تتراجع فيها المعارك البرية لتحل محلها ضربات جوية تصيب الأحياء والمخيمات. والأرقام التي أعلنتها يونيسف ليست مجرد إحصاءات، بل أطفال لم يتجاوز بعضهم عامين قُتلوا في أماكن يفترض أنها آمنة. وإن لم تتوقف الهجمات على المدنيين ويُحترم القانون الدولي الإنساني، فإن السؤال عن وجهة الحرب سيظل مرتبطاً بسؤال أكبر: كم من الأرواح ستُزهق قبل أن يُسمع صوت الحماية؟
المصدر: السودان اليوم



