مواجهة مصرية إثيوبية بمجلس الأمن بشأن السودان.. إلى أين تتجه؟

لم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً يخص أطرافها المتقاتلة وحدهم. فخلال جلسة حديثة لمجلس الأمن الدولي، تبادلت القاهرة وأديس أبابا اتهامات علنية بشأن التدخل في النزاع، وانضمت الخرطوم إلى السجال بروايتها الخاصة. وكشف هذا المشهد عن تنافس إقليمي ظل يتحرك طويلاً بعيداً عن التصريحات المباشرة. والسؤال الذي يشغل المراقبين: هل يبقى الخلاف في حدود الدبلوماسية، أم ينزلق إلى مواجهة أوسع؟
ما أبرز ما دار في جلسة مجلس الأمن بين مصر وإثيوبيا بشأن السودان
دعا مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، إيهاب عوض، المجلس إلى التعامل بجدية مع ما سماه أدلة على تورط دولة مجاورة للسودان في تأجيج الصراع، وطالب بتوجيه تحذير مباشر إليها. وأدان في الوقت نفسه الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنها وملاحقة الشبكات التي تغذي القتال.
في المقابل، شدد مندوب إثيوبيا، تيفيرا دريبو، على احترام بلاده لسيادة السودان ووحدة أراضيه. وقال إن أديس أبابا تملك أدلة على تهريب أسلحة إلى أراضيها، دون أن يقدم تفاصيل. كما أبدى قلقه من تقارير إعلامية عن مشاركة دولة مجاورة مباشرة في القتال، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة والقصف المدفعي الذي أودى بحياة مدنيين.
اتهامات السودان لإثيوبيا: إسقاط طائرة مسيرة في خور الذهب
أضاف مندوب السودان، الحارث إدريس، بعداً جديداً حين اتهم إثيوبيا بالضلوع في أنشطة عسكرية داخل بلاده. وذكر أن الجيش أسقط طائرة مسيرة إثيوبية في 30 مايو بمنطقة خور الذهب الحدودية، وأنها كانت ترصد مواقع وطرقاً على عمق يصل إلى 45 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية.
ولا تبدو هذه الاتهامات معزولة. ففي سبتمبر الماضي، اتهم رئيس أركان الجيش السوداني، ياسر العطا، أديس أبابا باستغلال الحرب للتمدد في مناطق حدودية، وربط ذلك بدعمها قوات الدعم السريع وبطموحها إلى منفذ على البحر الأحمر. وتبقى هذه كلها اتهامات متبادلة لم تُحسم بأدلة مستقلة علنية.
سد النهضة والمنفذ البحري: خلفية الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا
تكتسب الأزمة السودانية حساسيتها من تقاطعها مع خلافات أقدم بين البلدين. فمن جهة، يظل سد النهضة عنواناً للتوتر المائي بين القاهرة وأديس أبابا. ومن جهة أخرى، تثير مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري مخاوف في دول الجوار المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وبذلك تتحول ساحة السودان إلى مساحة تتلاقى فيها حسابات المياه والأمن والممرات البحرية.
هل أصبح السودان ساحة تنافس إقليمي؟ قراءات الخبراء
يرى المحلل السوداني عبد المنعم أبو إدريس أن السودان تحول منذ اندلاع الحرب إلى ساحة تنافس بين البلدين، فمصر تدعم الجيش، بينما تتهم الخرطوم أديس أبابا بمساندة الدعم السريع. ويعتقد أن جلسة مجلس الأمن نقلت هذا التنافس إلى العلن، وأن اتساع المواجهات في إقليم النيل الأزرق قد يدفع القاهرة إلى خطوات إضافية إذا احتدم الصراع.
أما الباحث الإثيوبي موسى شيخو فيقرأ المشهد من زاوية مختلفة. فهو يرى أن القاهرة تسعى إلى التأثير في القرار السياسي والأمني السوداني بما يخدم مصالحها، وأن التحركات الإثيوبية رد فعل على تنامي هذا النفوذ، إلى جانب اعتبارات أمن الحدود الغربية وسد النهضة. ويؤكد أن احترام استقلال القرار السوداني شرط للاستقرار.
موقف مصر من الحرب في السودان: وحدة الأراضي والخطوط الحمراء
عرض نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، تصور القاهرة لهذا الملف. فسياستها، بحسبه، تقوم على الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية ورفض التدخلات الخارجية، في إطار شراكة استراتيجية تشمل المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. واعتبر أن أمن البلدين مترابط، وأن مصر ستلتزم بما سماه الخطوط الحمراء لحماية أمنها القومي.
واتهم حليمة إثيوبيا بتقديم تسهيلات وتدريب ودعم لوجستي لقوات الدعم السريع. وينبغي التنبيه إلى أن هذه الاتهامات وردت على لسانه، ولم يقدم النص ما يثبتها بصورة مستقلة.
سيناريوهات التصعيد المصري الإثيوبي في السودان
يتفق المختصون الذين تناولت آراءهم التغطية على أن مصير التنافس مرهون بمسار الحرب نفسها. ويمكن تلخيص الاحتمالات في ثلاثة:
- استمرار الاشتباك الدبلوماسي: تبادل اتهامات في المحافل الدولية دون انتقال إلى مواجهة مباشرة.
- توسع النفوذ بالوكالة: تصعيد غير مباشر عبر دعم أطراف محلية في مناطق حدودية، كالنيل الأزرق.
- تصعيد إقليمي أوسع: وهو احتمال يحذر منه مسؤولون مصريون إذا استمرت السياسات التي يرونها مهددة لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
أسئلة شائعة
ما سبب الخلاف المصري الإثيوبي بشأن السودان؟يتصل بدعم كل طرف لجهة مختلفة في الحرب بحسب الاتهامات المتبادلة، وبخلافات قائمة حول سد النهضة والمنفذ البحري الإثيوبي.
هل تأكدت اتهامات التدخل العسكري في السودان؟لا. ما ورد في الجلسة اتهامات ومزاعم من أطرافها، ولم تُعرض أدلة مستقلة تحسمها علناً.
ماذا قال السودان عن إثيوبيا في مجلس الأمن؟قال مندوبه إن الجيش أسقط في 30 مايو طائرة مسيرة إثيوبية قرب خور الذهب، كانت تصور مواقع داخل الأراضي السودانية.
هل تتجه مصر وإثيوبيا إلى مواجهة مباشرة؟لا توجد مؤشرات حاسمة. يربط الخبراء الإجابة بتطورات القتال في السودان ومستوى انخراط الطرفين.
ما موقف مصر المعلن من الحرب في السودان؟الحفاظ على وحدة أراضيه ومؤسساته، ورفض التدخلات الخارجية، واعتبار استقراره أولوية لأمنها القومي.
خاتمة
كشفت جلسة مجلس الأمن أن الحرب السودانية صارت مرآة لخلافات إقليمية أعمق بين القاهرة وأديس أبابا. وبين رواية ترى في إثيوبيا طرفاً داعماً للدعم السريع، وأخرى ترى في مصر قوة تسعى إلى توجيه القرار السوداني، تبقى الحقيقة رهينة أدلة لم تُعرض بعد. وأياً كان المسار، فإن الحل الأكثر أماناً للمنطقة يمر عبر احتواء الحرب نفسها، لأن كل تصعيد في السودان يضيف عبئاً جديداً على توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
المصدر: اخبار السودان



