الجراح التي لا تُرى: كيف نعالج الاضطرابات النفسية في بيئات ما بعد النزاع؟
✍️ عبدالله أبوشوك
إختصاصي العلاج النفسي
(حين تنتهي الحرب في الخارج… تبدأ رحلة العلاج في الداخل)
قد تتوقف الحروب، وقد تعود الحياة تدريجياً إلى الشوارع والأسواق، لكن هناك جراحًا لا تظهر في الصور ولا تُوثَّق في تقارير الدمار. إنها الجراح النفسية التي يحملها الناجون في صمت، وتشكّل الوجه الأقل رؤية والأكثر عمقاً لآثار النزاعات.
في بيئات ما بعد الحرب، يعيش كثيرون وهم يعانون من القلق، والأرق، ونوبات الخوف المفاجئة، أو شعور دائم بالحزن وفقدان المعنى. البعض لا يستطيع العودة إلى حياته الطبيعية رغم انتهاء الخطر، وآخرون يتجنبون الأماكن أو الذكريات التي تذكرهم بما حدث. هذه ليست علامات ضعف، بل استجابات إنسانية طبيعية لتجارب غير طبيعية.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في حجم هذه المعاناة، بل في محدودية الخدمات النفسية، ووصمة المجتمع التي قد تمنع الأفراد من طلب المساعدة. ففي كثير من الأحيان، يُتوقع من الناجين أن “يتجاوزوا” ما حدث بسرعة، دون إدراك أن التعافي النفسي يحتاج إلى وقت ودعم متخصص.
العلاج في هذه السياقات لا يعني بالضرورة جلسات طويلة في العيادات، بل يمكن أن يبدأ بخطوات بسيطة ومؤثرة: توفير مساحات آمنة للحديث، تقديم دعم نفسي أولي، تدريب العاملين في المجتمع على مهارات الاستماع والإحالة، وإدماج الصحة النفسية ضمن الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
كما أن الأساليب الإبداعية مثل الرسم، والمسرح، والأنشطة الجماعية، تلعب دوراً مهماً في مساعدة الأفراد—خاصة الأطفال—على التعبير عن مشاعرهم بطريقة آمنة. فالكلمات قد تعجز أحياناً، لكن الفن يجد طريقه إلى ما لا يُقال.
إن التعافي النفسي ليس مسؤولية الفرد وحده، بل هو مسؤولية مجتمع كامل. فحين نوفر بيئة داعمة، ونكسر حاجز الصمت، ونعترف بأن هذه الجراح حقيقية، نكون قد خطونا أولى خطوات العلاج.
الحروب قد تترك وراءها أنقاضاً من حجر، لكنها تترك أيضًا أنقاضاً داخل النفوس. وإذا كان بناء المدن ممكناً بمواد البناء، فإن بناء الإنسان يبدأ بالإنصات، والاحتواء، والإيمان بأن الشفاء ممكن… حتى للجراح التي لا تُرى.


